لبنان الكبير وسوريا الكبرى

P16-03-N25130-640_784252_large

منذ تأسيسها العام 1920، لم تكن الدّولة اللّبنانية، بمفهومها المؤسساتي، يوماً على خير. أمّا شعبها، فلم يكن يوماً متآلفاً، أكان في ما بين طوائفه، أو على شكل دولة وسياساتها عموماً. اليوم، تقفز الدّولة اللّبنانية، وشعوبها، إلى الهاوية. تنهار الدّولة أمام أعين اللّبنانيين المشغولين بقضايا الأوطان الأخرى، أمّا هي فلا حول ولا قوة، تستمر بالسّقوط وتفرّغ من مضمونها كلّما زاد تشعّب الأزمة السّورية.

شيءٌ ما يدفعنا للتفكير بالبدايات عند اقتراب النّهايات. أنشئت الدّولة اللّبنانية بعد جريمة موصوفة بحق سكّان الأطراف “اللّبنانيين”. هؤلاء، وتبعاً لتوصيات لجنة “كينغ كراين” الموكلة العام 1919، استطلاع آرائهم، لم يريدوا أن يكونوا جزءًا من دولة لبنان الكبير. لكن، وعلى رغم من رفضهم العام للدولة النّاشئة، مفضّلين الاندماج بسوريا الكبرى، ضمّوا إليها قسراً. لم يكن خيار سكّان الأطراف شاذاً عن منطق تاريخهم، فهم كانوا تاريخيّاً جزءًا من سوريا، وأرادوا أن يكونوا فيها، تبعاً لهويّتها الأكثرية الإسلامية. كذلك، كانوا ينظرون ولا يززالوا، إلى العمق العربي – الإسلامي باعتبار أنفسهم جزءاً أساساً منه، متحسسين لقضاياه أكثر من بقية اللّبنانيين المؤيدين للبنان الكبير. توالت الحوادث التاريخية، على وقع هذا الخلاف بالذّات. قسمٌ يرى نفسه جزءًا من عالمٍ أوسع من لبنان الكبير، وجزءاً لا يرى إلّا لبنان الأصيل، وأحياناً أطرافه التي جعلته بالجغرافيا “كبيراً”. أمّا صراعات اللّبنانيين اللّاحقة لتاريخ إنشاء دولتهم، فلم تكن سوى تعبير عن هذا الخلاف الجذريّ بين نظرتين للبنان: أكان في عدم المشاركة الإسلامية الفاعلة خلال الانتداب في دولةٍ لم يريدوا أن يكونوا جزءًا منها، أم في حوادث العام 1958 وما رأوه فرصة مناسبة لإحياء حلمهم القومي العابر للحدود، أم في الحرب اللبنانية التي جعلوها وسيلة لقلب النّظام وتغيير شكله وانتمائه، وذوداً عن حق الأطراف اللّبنانية وسكّانها بمغانم السّلطة أسوةً بالآخرين.

أمّا اليوم، فما زلنا نعيش الأزمة عينها. قسمٌ من اللّبنانيين، ذو طابعٍ ديني معيّن، يرى قضاياه مرتبطة بسوريا ويشعر في خلفيّته، الدّينيّة والتّاريخيّة بنفسه جزءًا منها. ولا تبتعد مشاركات أبناء طرابلس (الشام) وصيدا وعكار وعرسال، و”حزب الله” وبعلبك، في الحرب السّورية، عن هذا الإطار. تلعب هنا الخلفيّة التّاريخية والدّينية دوراً أهمّ من الجغرافيا، فبُعد مدينة صيدا الجغرافيّ عن سوريا مثلاً لا يمثّل حائلاً دون انخراط أهلها في ما يعنيهم وراء الحدود.

في المقلب الآخر، لا يرى مسيحيو لبنان الأزمة السّورية وحربها سوى فرصة مناسبة للتضامن الشّكلي مع الحلفاء، أو منبر لموقف يكسبهم بعض التّأييد الشّعبي لا أكثر. فيوم كان مسلمو لبنان يعلنون المشاركة بالحرب السّورية، كان مسيحيوه يفاوضون على قانونٍ انتخابي يؤمّن تمثيلاً أقوى لهم في أطراف دولة لبنان الكبير.

هذا هو عمق الصراع في لبنان، أما باقي الخلافات، السياسية والاجتماعية، التي تظهر حيناً لتعود وتهدأ أحياناً أخرى، فما هي إلّا تعمية على هذا الانشقاق العظيم بين اللّبنانيين، أو نتيجة مشوّهة له، أو ثانوي يعتّم عليه دون أن يلغيه.

توقّف زمن لبنان عند العام 1920، أمّا أهله، فلا ينفكّون عن إعادة إنتاج الأزمة اياها، بأشكالٍ مختلفة، مهما تغيرت الحوادث. هذا الصّراع، مؤبّد ومخفيّ، بين جماعتين مختلفتين في تاريخهما وتطلّعاتهما، أمانيهما وهويّتهما. واحدةٌ ترى نفسها جزءاً من عالمٍ أوسع من لبنان الكبير، وأخرى لا يعنيها، جديّاً، أي قضية أبعد من حدود دولتها، وسط اعتبار الحُكم السّوري الحالي لبنان جزءاً من سوريا الكبرى، فكيف السّبيل إلى بناء دولة حقيقيّة وأبناؤها لهم تطلّعات مختلفة إلى هذا الحدّ؟!

جو حمورة

This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s