مدينة تشبه نساءها

بداية اللحظة الأولى، يسري في خيالي سؤال عن وجودي هنا. أين أنا؟ وإلى أين؟ المدينة مقفلة، والساعة حائرة في ليل هذه المدينة. الجوع يتآكلني، روائح التلوث تملأ رئتاي، والطريق إلى الفندق طويل. تنام المدينة باكراً، وأنا وطواط هذا الليل بالرغم من هلعي من العتمة، الفندق، في هذا الوقت، بعيد عن ناسه. لا صوت فيه ولا حركة. كقصر تقصّد أهله أن يهجروه ليلا. سأبتلع هذا الليل بعض سجائر، وبلا كحول. تخطر في بالي قصص كثيرة، تقترب مني ذاكرتي وأنا في مكان غريب. سأبوح بالكثير هنا، بالرغم من أنكِ بعيدة. سأحاول أن أرسم لك بألون هذا المكان، وأنا أتجول في أزقته وأستدرك لغته وأمشي من طاقته. هذه المدينة، بحدائقها وناسها تحب الحياة، وربما أكثر من ذلك، كفرٌ ان ابوح واخاف من اغتيالها لو يتجرأ لساني على الالحاد. يصعب أخذ انطباع سريع عنها، المدينة تغوي وتغري ولا تمدنا إلا بالحيرة. هناك أشياء مشتركة بيننا، لا أستطيع أن أحددها تماماً. أفاجأ أحياناً، وأحاول أن أسقط الصور المسبقة. أنا الآن في شوارع واسعة، أكثر ما يثير انتباهك هنا هو الحجاب، كل النساء هنا يلبسنه ويغطين نصف رؤوسهن فيبقى شيء من شعرهن مكشوفاً، كما يهل الضوء من النصف المخفي من القمر، أحياناً. تمشي النساء في الشوارع كأنهن متأخرات عنها، فيسرعن إليها. امرأة تقود السيارة ليس بغريب، وأخرى تحمل على كتفها الكاميرا وتصور. تلتقط صورا لحدائق كيفما تحركت، الحدائق هنا ثقافة، الورود بألوانها عادة، تلتقط صورا للجبال المزركشة قممها بما تبقى من الثلج الابيض لهذا الربيع. وحين تنظر إليها، المصوّرة، تشعر بأنك في الباطن، أنك في العمق، أو في متن فنجان القهوة، تسرح بالهال ويعجبك المزاج. وتفاجأ بانك تنظر عاليا وانت على ارتفاع الف متر واكثر. هذه الجبال تثير في داخلك روح المغامرة، جنون التسلق!وبالقرب من تلك الجبال، يحكون لك عن كبار السن كيف يتمتعون بتسلقها، من كل الإتجاهات منذ الصباح الباكر، بكامل نشاطهم وهدوئهم، فتشعر أنك عاجز ورجل من كرتون. لكن المصورة الجميلة لم تلتقط هذا المشهد بكاميرتها. تذكرني إيران بأميركا، طهران بواشنطن، لا اخرّف ولا أبتدع ذلك. أشعر بغرابة لمقارنتي، ولكن ذلك حدث. حين كنت أنتقل بين الشوارع المواجهة بالمصعد الكهربائي لاعبر الجسر.. أسمع موسيقى في الأنحاء، عازف الكمان يجلس على الجسر، ويعزف مبتسماً للعابرين وأمامه وعاء للنقود. هذا المشهد كما في نيويورك وواشنطن، يتنقل العازفون بين محطات المترو والأرصفة الضيقة. لكن عازفي الشوارع في اميركا، لو شاهدو كيف امتلأ وعاء عازف طهران بالنقود لجاؤوا إلى هنا. التشابه يتكرر في الشوارع والحدائق والخضرة، واكثر من ذلك. أستمتع بتفسيراتي البسيطة لشراهة البناء والأفكار والتفاصيل في طهران. البعد الروحي والعمق الثقافي والسياسي والديني تحوم حول أجسادنا. كيف لدولة دينية ان تكون متطورة؟ سؤال مر في مخيلتي فجأة… دولة تنسج التاريخ بصمت والسياسة بهدوء. وهنا، أسئلة كثيرة لا أستطيع أن أدفنها. حتى الله لا يزال سؤالاً ! جوابه الله موجود في قلوب الكثير من المؤمنين وحتى الملحدين. طهران لا تنتهي هنا، بكل حيّ فيها سؤال. من الغباء والبرودة أن تبقى هذه الصورة سجينة، كامرأة تخبئ نصف وجهها الأجمل. هنا طهران، ومزيج من التناقض يساورني، أحتاج إلى الهدوء، وأنا على عجل من أمري، لا يمكنني الإنتظار لأرى السجاد بعد هذه الحياكة الممتعة هنا، نحن جيل الوجبات السريعة ! تمتلئ أمعاؤنا دون متعة بطعم ونكهة ولذة. ربما في عيون بعض العابرين جوع وثورة أخرى، وفي داخلهم لغة تحتاج من يفككها، ليصير البوح أبسط. طهران تشبه اللوحة التي بدأت برسمها لكِ للتو. أين أنا؟ وإلى أين؟ طهران أكثر المدن غواية وجدلية وغموضاً وربما تخبئ نصفها الاجمل والغامض كحجاب نسائها.

زاهر العريضي

This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s