الطعام وثقافة الشعوب

لطالما كنت أحبّ الناس، كلّ الناس، وأهتمّ بشغف كبير بتصرّفاتهم وثقافاتهم المتنوّعة وطرق تفكيرهم وقيمهم.

إنّ الطعام دليل كبير ومهمّ الى الشعوب وثقافاتهم في أي بلدٍ من بلدان هذا العالم. بالنسبة لي، الطريقة الفضلى للتعرّف فعلاً إلى الناس، هي من خلال اكتشاف ما يأكلون والطريقة التي يأكلون بها. يمكننا أن نعرف الكثير عن أحدهم بمجرّد عرض محتويات ثلاجتهم أو حتى تفحّص الوجبات الخفيفة التي يخبئونها في أحد أدراج مكتبهم.

عندما أسافر إلى بلد ما، يكون هدفي الأوّل اكتشاف خصائص هذا البلد وثقافته. والحقيقة أنّني أتوصّل دائماً لتحقيق هدفي هذا من خلال الطعام، إذ انني أقوم بزيارة الأماكن الشعبية واكتشاف الأطعمة الأصلية والمحلّية التي تقدّمها.

تعلّمت الكثير عن صديقتي مديحة من خلال مشاهدتي لها في شوارع اسطنبول وهي تتناول بلح البحر المحشو (stuffed mussels). كما تعلمت الكثير من طريقة تحضيرها الشاي عندما كنت أراقبها في فترة بعد الظهر وهي تختار بدقّة أوراق الشاي المتعدّدة النكهة التي اشترتها من أقدم سوق في المدينة. لم أكتف بذلك بل تعلّمت أيضاً تتبيل الأطباق بالبهارات التي تشتريها من السوق عينه. رأيت في ذلك كلّه مدى تعلقها بثقافتها المليئة بالألوان والنكهات، ثقافة تحبّ الحياة وتضفي عليها حرارة وغنى.

تعلّمت الكثير عن البريطانيين وعن طريقتهم في المحافظة على صحّتهم (من خلال انتشار الأطعمة العضوية) وفي الوقت عينه لمست تلك المحاولة لإخفاء انفتاحهم على الغير (السمك المقلي والبطاطا المقلية (fried fish and chips). رأيت أيضاً طريقتهم في مواكبة العصر ومع ذلك المحافظة على العادات والتقاليد (تناول البيض والفاصوليا لدى الفطور – eggs and beans for breakfast).

اليوم، بتّ أعلم أنه من شبه المستحيل أن يغيّر الشعب السري لانكي في عاداته وقيمه ومبادئه، أينما كان يسكن. فخلال زيارتي العام الماضي إلى سري لانكا في شهر آب، لم أشعر بأية غرابة البتة لجهة الأطعمة، بل وجدت نفسي في مكان مألوف، لأنني أعرف شخصاً من هذه الدولة يعيش في لبنان، بالطريقة عينها، كما لو كان يعيش في سري لانكا. إن ذلك لدليل الى إخلاص الشعب السري لانكي لثقافته.

أعرف أنّ الايطاليين مرحون وايجابيون وذلك من خلال مشاهدتي لهم وهم يأكلون. أعرف أنّ الكاتالونيين يعيشون ببساطة وذلك لأنّهم يقومون، بكلّ بساطة، بجمع ما يستسيغون من المكوّنات لتحضير أطباقهم (التاباس ورقائق التورتيلا tapas and tortillas).

أعرف أنّ الهنود الذين يعيشون خارج بلدهم، يبحثون دومًا عن المحال الهندية حتى لا يحرموا أنفسهم من مذاق مأكولاتهم الأصلية. أعرف أنّ اللبنانيين يقومون بذلك أيضاً.

أعرف أن الفرنسيين لا يتخلّون عن الرغيف الفرنسي (baguette) والزبدة كلّ صباح فهذه لذّة الحياة بالنسبة اليهم.

وأعرف أيضًا أنّ اللبنانيين لن يتوقّفوا عن دعوة أصدقائهم الأجانب لتذوّق المازة والطبخة لأنّنا نبقى على حالنا، فنحن شعب يحبّ الضيافة والمشاركة وهدفنا دوماً إرضاء الأخرين.

لين بدران

This entry was posted in Uncategorized and tagged , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s