وسام قسطنطين الأصمّ مثال للأصحاء

قد تبدو محاورة أصمّ إحدى أصعب المهمّات، اذ كيف سيفهم الأسئلة ويتمكن من صياغة أفكاره في شكل واضح ومفهوم وسليم؟ لكن الدهشة ستكون من نصيب كلّ من يقابل وسام قسطنطين، لأنه سيكتشف أنه، رغم تمتّعه بحواسه الخمس، فإن مشكلة الفهم والتعبير ليست من مشكلات وسام، بل مشكلته، لأن أفكار وسام وقدرته على التعبير أبلغ وأعمق من كل كلام منطوق.

ليست قدرات وسام التعبيريّة هي اللافتة فحسب، بل تفوّقه في كلّ مجالات الحياة، سواء على مستوى العلم أو الحبّ أو العلاقات الإجتماعية. فقد كسب كلّ رهانات الآخرين على فشله، وتمكّن، بدعم أهله وذكائه، من الحصول على شهادة Medical Laboratory من جامعة سيّدة اللويزة – NDU ليكون أوّل أصمّ في لبنان والشرق الأوسط ينال شهادة جامعيّة من جامعة للسامعين. كذلك حصل على شهادة ماستر في اختصاص Macrobiologie & Immunologie من الجامعة الأميركية في بيروت – AUB دون أي معاملة خاصة تراعي وضعه، ليصبح بذلك أول أصمّ يصل إلى هذا المستوى الجامعي من جامعة غير متخصصة في لبنان والشرق الأوسط.
روى وسام لـ”النهار”، بكلمات واضحة ومفهومة، تفاصيل حياته التي تحوّلت نموذجا ناجحا بالنسبة للأصحاء قبل الصمّ. “عندما ولدت كانت حاسّة السمع عندي طبيعيّة، ولكنني فقدتها لما بلغت العشرة أشهر فجأة ما بين ليلة وضحاها وحتى اليوم لا ندرك، كما لا يدرك الطبيب، لماذا حصل ذلك”. والأمر عينه ينسحب أيضا على شقيقي وسام، مارك ورالف، “غير أن مارك فقد سمعه عندما بلغ العام ونصف العام، في حين أن رالف فقده في العامين والشهرين والأسباب ايضاً مجهولة”.

تحدّي التعلّم والحلم بالطبّ

ارتاد وسام مدرسة الأمير في مغدوشة، “كانت مدرسة عادية غير مخصّصة للصمّ وكان جدّي مديرها. بقيت فيها حتى أصبح عمري تسعة أعوام، وانتقلت بعدها إلى مدرسة IRAP – Institut de Reeducation Audio – Phonetique في عين عار المخصّصة للصمّ، ومكثت فيها حتى الشهادة المتوسطة”. العقبة الأولى بدأت عندما أنهى وسام شهادته بنجاح “فما من صفوف ثانوية في هذه المدرسة، ولكنني كنت راغبا بشدة في إكمال تعليمي، وأهلي كذلك. التقيت أحدهم وأطلعته على رغبتي. تأثر لحماستي وسعى لإنشاء ثانوية خاصّة بالصم في بعبدا، فأكملت تعليمي فيها وحصلت على شهادتي الثانوية منها”.
حلم وسام هو أن يكون طبيبا للصمّ “لكن لم توافق على طلبي أي جامعة باعتبار أنه لن يكون في استطاعتي التفاهم مع المرضى والتعامل معهم بسبب الصمم، بالإضافة إلى أنهم اعتبروا أنه لن يكون في استطاعتي استيعاب الدروس”. غير أن وسام دخل جامعة سيدة اللويزة بعدما اجتهد في إقناع الإدارة ولكن ليس للتخصص في الطبّ. وفي القصّة أن “مسؤول شؤون الطلاب في الجامعة الدكتور زياد فهد رفض طلبي بطريقة لطيفة، وقال لوالدي أنني لا يمكن أن أكون قادرا على التعلم نظراً الى وضعي لأنني لن أفهم على الأستاذ، وأنه قد يدفع الكثير من المال من دون مقابل، لأنني قد لا أتجاوب. غير أن والدي أصرّ وقال له أعرف ابني جيدا وأعرف طاقاته وقدراته. قبل فهد، شرط أن أجتاز امتحان الدخول وقد نجحت في ذلك بعلامات مرتفعة جداً ومنذ ذلك الحين أصبح فهد سنداً لي وساعدني كثيراً”.
مرّت أعوام التخصّص الثلاثة وقد حقق وسام خلالها نجاحاً لافتاً، تخرّج في نهايتها العام 2009 مع شهادة تقدير في اختصاص Medical Laboratory. كما نال في العام اياه المرتبة الأولى في امتحانات مزاولة المهنة في وزارة الصحة، مع شهادة تقدير من الوزير السابق محمد جواد خليفة. غير أن طموح الشاب لم يتوقّف هنا، بل أراد الحصول على شهادة الماستر في الـMacrobiologie & Immunologie “وقد تمكّنت من تحقيق ذلك في الجامعة الأميركيّة في بيروت، طبعا بعد جهد كبير، إذ كان على والدي أن يقنع الإدارة أيضا بأنني قادر على نيل هذه الشهادة. حصلت على الموافقة من الجامعة بعد ثمانية أشهر من تقديم الطلب”.

وماذا عن اليوم؟

بعد إنجاز المرحلة الجامعية “أنا أسعى اليوم لأن أجد عملا في مجال اختصاصي. أقدم الطلبات في الأماكن التي أعتقد بأنني جدير بأن أجد فيها عملا، وبانتظار العمل المناسب أقوم حالياً بتعليم لغة الإشارات كدروس خصوصيّة، وأعطي صفاً في جامعة سيّدة اللويزة”. عما إذا كان يلقى اتصالات من المؤسسات التي يضع فيها طلبات للعمل قال: “نعم أتلقى اتصالات وألقى معاملة لطيفة خلال مقابلات العمل، لست أدري ما إذا كانوا يرفضونني بسبب وضعي. في أكثر من مستشفى قالوا أنهم يريدونني للعمل، لكنهم ليسوا في حاجة لموظفين حالياً”.
وأضاف “لا أزال مصرّاً على التخصص في الطب، لن يجيد أي طبيب التواصل مع الصمّ مثلي. لكن المشكلة أن كلّ الجامعات رفضتني، وللأسف إن الإختصاص الذي أريده غير موجود في الـNDU”. وتمنى على الجهات التي تقدم منحا “أن تنظر إلى علاماتي والنتائج التي حققتها وتساعدني لتحقيق طموحي. يجب النظر إليّ ولمن هم مثلي، فوصولنا إلى هذه المرحلة من العلم هو تفوّق في ذاته ويحقّ لنا بمنح أسوة بغيرنا”.
وصف وسام حياته اليومية بأنها “جميلة جدا، هي حياة عادية كحياة كل شاب. رفاقي كثر وهم رائعون نخرج دائما، نلعب كرة السلة وكرة القدم، نسهر ونمرح… سمر، خطيبتي، هي جزء أساسي جدا من حياتي، هي نصفي الثاني وإن شاء الله سوف نتزوج قريبا”. وسام رياضيّ بامتياز، تملأ الميداليات الذهبية والكؤوس صالون منزله “ألعب كرة السلة ضمن الدرجة الثانية كنت ألعب سابقا مع فرق اللويزة والهومنتمن والمركزية، أما الآن فتوقفت نظرا للدروس الضاغطة. لكنني سأعود للعب مجددا وأطمح لألعب ضمن الدرجة الأولى فأصبح بذلك أول أصمّ يلعب ضمن هذه الدرجة”. وبفرح كبير تحدّث وسام عن أخيه مارك “الذي ينجز حاليا سنته الأخيرة من اختصاصه في هندسة الكمبيوتر في جامعة سيّدة اللويزة، وثمّة سبعة طلاب صمّ يتعلمون في هذه الجامعة التي أفرح كثيرا لعلمي أنني كنت التجربة التي فتحت الباب أمامهم. أما رالف فيتعلّم في مدرسة سيّدة اللويزة وعلاماته ممتازة أيضا”. وتحدّث عن ضرورة دمج من يعانون من إعاقات متنوعة في المدارس العادية، مشددا على ضرورة “إصدار المراسيم التطبيقية المتعلقة بالقانون الذي يلزم وزارة الشؤون الإجتماعية بدفع مبالغ معينة تدعم المعاقين المندمجين في مدارس عادية”.
عن نظرة المجتمع الى حاله قال: “انا أشفق على من ينظرون إلي بطريقة مختلفة. أنا فخور بنفسي وبكل ما وصلت إليه، وهذا كله بفضل والديّ اللذين تعبا على تربيتي أنا وإخوتي واهتما بنا كثيرا بمحبّة لا توصف. فأنا اليوم أتكلّم أفضل بكثير من غيري من الصمّ، وهذا كلّه من فضل والديّ عليّ”.

باسكال عازار

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s