شابٌ لبناني أصمّ أبكم يعلّم الرقص بيار جعجع شغوفٌ جبّار إرادته من حديد ولكنه مهمَلٌ رسمياً!

بعضنا لا يحتاج الى عين، فيتخيّل الجمال. ولا الى حواس فيميّز الأشياء المفيدة. تنظر الى الشاب بيار جعجع فتراه عادياً، وحين يكلمك تدرك جيداً أنه لم يكن يوماً كذلك. اختلافه ليس وليد المصادفة. انه عبرة من أجل الحقيقة. كان لا بدّ من ان نراه كاملاً لنكتشف النقص فينا. لا يتكلّم ولا يسمع، ولكنه محارب جبّار، ونحن “الطبيعيين” نستسلم أمام أول انتكاسة قد تعبر سريعاً. الموسيقى شغفه منذ ان كان صغيراً. الشاب مرهف الحسّ، يعشق الرقص، يعلّمه للآخرين ويمارسه بقدسية تتجاوز صورنا اليومية.

مجتمعنا يشفق على انسان الحاجات الخاصة. يسميه “معاقاً”، ويرجمه بنظرات لا ترحم، هي، اغلبيتها، سلبية. 33 عاماً بلغها بيار وهو يحارب من أجل فكرة اعتبرها أهله والآخرون سخيفة. الوظيفة، حين لا تكون طبّاً أو بزنساً أو محاماة، تتحوّل في بعض المجتمعات سخيفة. كيف يمكن لمخلوق لا يسمع ولا ينطق بطلاقة ان يتجاوب مع الموسيقى ويطوّعها تعبيرياً؟ يدهَش المرء أمام الانجازات الكبرى. أمام التكنولوجيا واكتشاف الفضاء. وأمام بعض الحالات في المجتمع أيضاً. لا بدّ أحياناً من ان يُشكل أحدهم في حياتنا صدمة ايجابية. لا بدّ من ان نهتزّ قليلاً. بيار يرقص. يعلّم تلامذة تصل أعمارهم الى الـ19 عاماً معظم فنون الرقص من سولو وجاز ودبكة… ولكنه ليس سعيداً. بعض البلدان، وبعض المجتمعات، وتحديداً بعض الجمعيات والوزارات، يعشق في المواهب كسر يدها ثم الشحذ عليها.
في حديث بيار الى “النهار”، يختلط الطموح بالمطبّات، بالتألم على وضع الانسان في المجتمعات العربية. يحدّثنا عما أسماه “النفسية”. يقصد منها ارادة الاستمرار، لا البقاء. شيءٌ ما في داخل البعض يريده ان يكون محارباً يومياً. ملامح بيار تخفي هذا الشيء، وقدرته التعبيرية ترفض الأشياء المخفية. فظيع بطريقة التعبير. اليدان، العينان، الوجه، وأحياناً الابتسامة القوية. شاب يعتاش من تعليم الرقص ومن بعض العروض المسرحية، ولا يسمع إلا لأن جهازاً يضعه في أذنيه يسهّل عليه المهمات التي ترفض ان تظلّ مستحيلة، قد يختزن من التجارب ما يملأ سطوراً طويلة. متألمٌ في بعض تنهيداته من دون ان يلعب دور الضحية. يخبرنا أشياء كثيرة، ثم يتراجع: “هذه ليست للنشر”. يخشى ان تطارده نظرات القارئ وتقع عليه بتسرّع أو فوقية. نتكلّم أحياناً لأن البوح يفرّق الانسان عن سائر المخلوقات الأخرى. الاصغاء أيضاً فن. ذاك الشاب الراقص يعرف هذه الحقيقة جيداً، وكأي انسان مفكّر، لا ينفكّ يبحث عنها يومياً.
وصول بيار الى ان نيل ثلاث شهادات في الرقص، ويؤتَمن على تدريس أولاد وشبان هم أيضاً يشبهونه بتشكيل حالات خاصة، شغف لم يتحقق بأعجوبة الليالي الصيفية. طلب ألا نستفيض كثيراً في صراعاته مع أهله ومحيطه بحثاً عن تفهّم أو تقبّل أو حتى مشاعر عادية. الفن لا يطعم الناس “الطبيعيين” خبزاً، فكيف تكون الحال مع “الاستثناء” يا بيار؟ الجهاز في أذنيه حوّل السؤال معزوفة اجتماعية. العنيد ظلّ مصراً. تباً للرقص وتباً لمخترعي الموسيقى! بعضٌ من الخائفين على مصلحته يقسو عليه بهذه الكلمات العبثية. ينثال الماضي من ذاكرة بيار، فتتقطّع الجُمل وتتفرّق وهي تحاول الخروج من أعماقه سريعاً. حادث تعرّض له قبل أشهر قليلة، كاد يشكل انزلاقاً الى القعر، لولا تشبّثه بالأمل وايمانه بأن “الانسان أولاً نفسية”. فليصغِ الحريصون على حقوق الانسان والوزارات المعنية، وأيضاً الجمعيات الناشطة في صوغ البيانات والخطابات الركيكة. وبينما كان بيار مشاركاً في عرض راقص على خشبة “مسرح المدينة”، سقط أرضاً من على علو أمتار وهو يؤدي رقصة السولو الشهيرة. تحمّل آلاماً كثيرة من أجل جمهور ظنّ المشهد برمّته تمثيلية. ثم نُقل الى المستشفى، وكانت الكارثة. يده شاهدة على عملية دقيقة كلّفت مبلغ 10 آلاف دولار من دون ان يملك منها شيئاً. بغصّة يقول بيار انه من الطبقة الفقيرة. لا “أسورونس” ولا حسابات مصرفية. أكثر ما يؤلمه تنصُّل المسرح منه. مراراً حاول الاتصال بالمسؤول ناجي سوراني عساه يحصل على مساعدة، وعبثاً كان ذلك. تبرّوا منه كلياً. الحادث وقع على خشبتهم، وكأن الخشبة شارعاً خالياً من أي مسؤولية. ألأنه لا يسمع عومل بهذه الطريقة، أم لأن الفنان آلة احتياطية تنفّذ ما يتوجب عليها، وحين تتعطل تُرمى وتستبدل بأخرى أقل تكلفة وأكثر فاعلية؟!
نُصح بيار بإستشارة محام لتعويض حق يراه شرعياً. ولكن أنى له تكاليف الاستشارات وهو يسكن منزلاً خاصاً، الى لائحة المصاريف الطويلة؟ “أنا فنان ولست شريراً”، يقولها لندرك معنى ان يترفّع المرء كثيراً. شهاداته لم تعنِ وزارة الشؤون الاجتماعية. يخبرنا بأنه تقدّم مراراً بطلب وظيفة أو نافذة للحصول على وظيفة تضمن له حياة أكثر استقراراً وعيشاً كريماً. ولكن مَن يسمع؟ الكلّ مشغول في السياسة وفي المقاعد وفي توزيع الحصص، ولا بأس اذا تأجل البتّ في حقوق الناس قليلاً طالما انها ليست عاجلة أو جديدة. كان محقاً بيار حين قال: “لبنان وجعي أكثر من كل وجع آخر”!

فاطمة عبدالله

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s