بلال: قرفت هالعيشة ¶ علي: سأنتظر ولو مئة عام شابان جامعيان متخرجان يرويان معاناتهما في سوق العمل

ليست معلقة على الحائط. لم يفكر في وضع اطار لها من الأساس. انها مرمية في ملف بلاستيكيّ أسود، منسيّ هو الآخر في احد أدراج مكتبه.
بلال عيتاني، قيل له أنه مجاز في ادارة الأعمال بدرجة “جيد جداً”، لكنه اليوم مسؤول فقط عن ادخال المعلومات الخاصة بمرضى Hحد المستوصفات في بيروت الكترونياً، وادارة عملية دخولهم وخروجهم من عيادة الطبيب.. هذا ما أنعمت به عليه “الواسطة”!

واحد قهوة

  يركن سيارته الى جانب الرصيف. يترجّل منها ويأخذ نفساً عميقاً. هدوء البحر ما خفّف من توتره. يروح ويجيء متمتماً كلاماً غير مفهوم؛ ينفعل فجأة: “قرفت هالعيشة”.
يدير ظهره لاحدى شجرات النخيل على الرصيف، ويروي كيف أنه أمضى ستة أشهر بعد تخرجه باحثاً عن عمل: “أرسلتُ سيرتي الذاتية الى أكثر من أربعين مؤسسة.. طلبني معظمها لاجراء مقابلة شخصية؛ لكن عند هذه الحدود يتوقف كل شيء. لا يتصلون مجدداً.. أنا أعرف.. حصولي على وظيفة مرتبط بالواسطة”.
بلال جمله قصيرة. لا يستقرّ على فكرة واحدة فيناقشها. عبارة حزينة تتكرّر فقط بين بضع دقائق وأخرى: “أشعر بالتعب الشديد”.
مثبّتٌ عينيه في اللامكان، يقف من دون حركة.. ضحكة صفراء تتسلل من خلف الصمت بحسرة: “عملتُ فترة في معمل لانتاج الحلويات.. كنتُ المجاز الوحيد داخل المكتب.. لكنهم ما أتاحوا لي الفرصة لابراز قدراتي، فكلفوني فقط بطباعة ملصقات من أجل وضعها على علب الشوكولا. أملتُ أن يتحسّن الوضع الى أن جاء النهار الذي طلبوا فيه مني تحضير فنجان قهوة لزبون جاء الى المصنع، حينذاك جمعتُ أغراضي ورحلت”.
صمتٌ ثقيل يفصل ما بين الفكرة والفكرة؛ صوته يختنق لكنه لا يبكي. هو الكبرياء، بل الغضب، أو كلاهما معاً؛ كبرياء يمنعه من مزاولة أيّ عمل ان لم يرتبط ولو شكلياً باختصاصه الجامعيّ، وغضبٌ يجعله يكفر بالدنيا ومن فيها.
يائساً، يروي كيف خسر أصدقاءه: يعود الى المنزل محبطاً وليس لديه مزاجٌ للحديث مع أحد. لا رغبة له في الحياة.. متعبٌ طوال الوقت ويتمنى الموت مراراً؛ “ما أعانيه اليوم يجعلني لا أرغب في القيام بأيّ عمل آخر… مصطلحات، مثل العمل التطوعي أو طاقة الشباب باتت تضحكني.. انني فاقد الأمل.. ضائعٌ ولا أعرف شيئاً”.
يأخذ نفساً عميقاً ثمّ يستدرك: “في آخر اتصال أجريته مع أصدقائي قبل سنة، عرفتُ أنّ أحدهما بدأ العمل في ملهى ليلي، والآخر قبِل أن يدرّس مادة الرياضيات لطلاب المرحلة الابتدائية في مدرسة قريبة من منزله”.
يتوقف بلال عن الحديث فجأة.. يتذكر أنّه لم يكلّم حبيبته منذ الصباح.. يضرب كفاً على جبينه معلناً أنها ليست المرة الأولى التي يحصل فيها هذا الأمر.

عشر سنوات.. مؤقت!

  أعصاب بلال المنهارة تقابلها بسمة دائمة على وجه الشاب الثلاثينيّ علي حريري، على الرغم من معاناته هو الآخر في الحصول على عمل يلائم اختصاصه الجامعيّ.
خمسون دقيقة لم يتوقف خلالها علي عن الكلام. أفكارٌ مترابطة وأملٌ بالمستقبل غير معروف مصدره، وهو الذي يعاني منذ عشر سنوات بعد حصوله على اجازة في العلاج الفيزيائي للحصول على وظيفة ثابتة.
أعمال بالجملة. سيرة مهنية غريبة من نوعها؛ تضمّ مختلف الأعمال التي ما كان من المتوقع أن تجتمع معاً: أمين مستودع، تصليح وبرمجة كومبيوترات، تمديد كهرباء داخل ورش العمارة، بيع ألبان وأجبان، حيازة ثلاثة دفاتر سوق موزعة بين خصوصي وعمومي وآليات 10 طن.
أضف الى ذلك محاولات متفرقة للانطلاق في سوق العمل الفيزيائي: ثلاثة أشهر في قسم للتجميل داخل صالون حلاقة للرجال (لكن القسم أقفل بسبب عدم الاقبال عليه)، جلسات علاج لا يتخطى سعر الجلسة الواحدة عشرة آلاف ليرة لبنانية وهو سعر خاص لأهل البلدة.
مستدركاً يلفت علي الى سعيه للدخول الى الجيش، الّا أنّ وزنه الزائد حال دون ذلك في المرة الأولى.. وقراراً يمنع انضمام من هم فوق الخامسة والعشرين عاماً، حال دون اتاحة هذا الخيار في المرّة الثانية.
كلّ ذلك وعلي لم ييأس. يضرب كفاً بكفّ، ويؤكّد: “أنا أحبّ اختصاصي، وسأبقى أسعى لتثبيت نفسي في هذا المجال.. ولو بعد مئة عام!”.
هو يعلم جيداً أنّ ما يؤخّر انطلاقته أمران أساسيان: مبلغ مالي بحدود الخمسة والعشرين ألف دولار بهدف فتح عيادة خاصة له، ودعم فعلي من نقابة المعالجين الفيزيائيين للخريجين الجدد؛ فاذا كان الزامياً لمن يريد ممارسة المهنة الانتساب الى النقابة، فعلى الأقل ألا يكون هذا الانتساب مشروطاً بدفع 1600000 ليرة لبنانية كبداية، بالاضافة الى رسم اشتراك سنوي يصل الى 450000  ليرة، سواء عمل المعالج أو لم يعمل.
الابتسامة حاضرة دوماً. ينظر علي – عريس منذ خمسة شهور –  في عيني زوجته، ويقول: “اليوم أعمل سائقاً في شركة، أوزع البضاعة على المحلات، لكنني مسرور بزواجي وانتقالي الى مرحلة جديدة في حياتي. زوجتي تدعمني، وهي تعلم أيضاً أنني سأعمل في مجال اختصاصي يوماً ما”.

نغم ترحيني

This entry was posted in Uncategorized and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s