هل نودّع العلمنة في دنيا العرب؟

ثمة أمر طارىء وخطير حصل مساء الأربعاء الماضي في بكركي، قد يكون مبرراً اذا نظرنا إليه من منطلق مسيحي وحدوي، بمعنى انه أعاد توحيد المسيحيين على هدف واحد، يحفظ لهم بعض حقهم، انطلاقاً من محاولتهم فرض أمر واقع جديد، بعد الذي فرضته الوصاية السورية.
من هذا المنطلق جاء تحذير بكركي، ورميها قانون الستين بالحرم الكنسي، أو ما يشبهه، عملاً مستحباً ومستحسناً. لكنه في الواقع يعارض ما يذهب اليه المسيحيون عند كل منعطف، من مطالبة بالدولة المدنية، وبقانون مدني للأحوال الشخصية.
فالمسيحيون كانوا رواد الفكر العلماني والمدني في كل البلاد العربية. وهم المفكرون والمنظّرون للدولة المدنية، ولفصل الدين عن الدولة، لكن سياسييهم اليوم باتوا على غير ما كنا نشتهي.
فبدل ابعاد الكنيسة من الشأن السياسي، وحصر سلطتها بالأمور الدينية، والدفع باتجاه التعامل بالطريقة عينها مع دار الفتوى والمجلس الاسلامي الشيعي ومشيخة العقل وغيرها من السلطات الدينية، نجد اننا في القرن الحادي والعشرين، ندفع دفعاً رجال الدين الى تولي أمورنا في الدين والدنيا، وتسليمهم أمرنا وولايتنا.
ما حصل في بكركي يفتح المجال أمام تدخل أوسع لرؤساء الطوائف في تفاصيل حياتنا. وهو عمل يتكامل مع اتجاه الدول العربية بثوراتها الى تسليم الأمر لمصدري الفتاوى.
نعم عالمنا العربي مريض، وثوراتنا لا تدفعنا الى الأمام، لأن الذي سبقنا في عالم الثورات فصل الدين عن الدولة، وأسس لأنظمة علمانية مدنية معيارها المواطنة وليس الانتماء الى مذهب ودين.

لم أعيّد الفصح جيداً 

كثيرون لم يعيّدوني في عيد الفصح. صرت أفكر بأنهم أهملوني، أو بدّلوا من مشاعرهم تجاهي، أو أن مصالحهم المرتبطة بي زالت… حتى اتاني صديق يعلنها صراحة: “انت دورك بالعيد بعد ما إجا” فأجبته بالنفي “لأن وقتي إجا”. فتعجب سائلاً “ألست أرثوذكسياً، في “النهار” ومن آل حجار في مشغرة؟ أجبته بأني كاثوليكي، وهذه هويتي التي ولدت فيها، وكبرت عليها، وصارت تعنيني، لا تعصباً حيال الآخرين، بل انتماءً، وهوية لا تعيب حاملها، وان كان علماني الهوى مثلي. واذا كان المسيحيون، أو بعضهم قادر على التمييز ما بين العيدين الكاثوليكي والأرثوذكسي، فان المسلمين غير قادرين على ذلك، لأنها قصة “مشربكة” على ما قال لي أحدهم. وله الحق في ذلك. فالأرمن الأرثوذكس يعيّدون الميلاد وفق التقويم الشرقي، لكنهم يعيّدون الفصح وفق التقويم الغربي. والأرثوذكس في الأردن يعيّدون الميلاد وفق التقويم الغربي فيما مواطنيهم الكاثوليك يعيّدون الفصح وفق التقويم الشرقي.
اما الارباك الكبير فحصل هذه السنة في الأرض المقدسة، اذ سمح الفاتيكان للكاثوليك باحياء العيد مع الأرثوذكس، باستثناء القدس وبيت لحم بسبب توافد الحجاج الأجانب اليهما في العيد، وهذا يعني أن الأراضي المقدسة زادت انقساماً على انقسامهم.
واذا عدنا الى الاسباب، كما كتبها الأب زكي صادر اليسوعي في “النهار” ، لوجدنا انها تافهة، وتتعلّق بالتقويم لا بالعقيدة، ولا علاقة لها بالتواريخ الحقيقية لكل الأحداث، إذ ان احياءها هو ذكرى لا أكثر.
نعلم جيداً التعقيدات الادارية، والصعوبة في التواصل في ما بين رؤساء الكنائس للتوصل الى اتفاق على الموضوع، لكن أيضاً من الضروري أن يرفع المطارنة كلهم أصواتهم باسم الناس الذين ملّوا وقرفوا من هذا الواقع، واكتشفوا ان ثمة محبة زائفة لدى البعض يعلنونها فقط على المنابر، لكنهم لا يعرفونها في قلوبهم، اذ ان المحبة الحقيقية قادرة على حل الأمور “المعقدة”، ما دامت لا تتعلّق بصلب العقيدة.

غسان  حجار

This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s