لا تظلموا عرسال

إشكالية الوطنية والدين قديمة التجذر في “الصيغة اللبنانية” التي بنيت على شاكلة فيدرالية طوائف مستترة تسعى كل طائفة فيها إلى كسب رضى الله بهدر دم أبناء الطوائف الاخرى.
فمن شعار “أمن المجتمع المسيحي فوق كل إعتبار” الذي رفعه حزب “القوات” المسيحي خوفا من تمدد الحركة الوطنية في سبعينات القرن الماضي، وصلنا بعيد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام 2005 إلى شعارات مذهبية لا تقل خطورة عن سابقاتها على صعيد تفتيت الإنتماء الوطني لصالح الإنتماءات المذهبية الضيقة (مصطلح المارد السني).
ومن مظاهر الإنقسامات الحادة في لبنان، المترافقة مع النزاعات الطائفية، ما نشهده من تعميم وإعلاء وإطلاق صفات ونعوت على منطقة أو بلدة أو عائلة أو طائفة. فتظهير عرسال بأنها حصن للتطرف السلفي في منطقة لم تشهد أي إنعكاس لتبعات الحرب الأهلية اللبنانية (باستثناء أحداث القاع التي حصلت بعيد اغتيال آل فرنجية في أواخر السبعينات)، يستدعي التوضيح أنه في البيت الواحد تجد انتماءات فكرية مختلفة، فكيف الحال في قرية قدمت خيرة شبابها في مقاومة إسرائيل؟
على سبيل المثال اتار الأخوان حسين ومصطفى الحجيري طريقين مختلفين، وسارا في كل منهما حتى النهاية، إذ انضم حسين إلى صفوف الحزب الشيوعي اللبناني، بينما اختار شقيقه مصطفى التوجه الإسلامي .. قاتل حسين في معارك حزبه ولم يتردد لحظة في الإنضمام إلى صفوف جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية والمشاركة في عملياتها .. كان يناضل بصمت وبإصرار إلى أن استشهد في عملية للجبهة في شبعا- تلة السدانة في 20-10-1990 مع رفاقه إنعام حمزة (من عبيه – الشحّار) وحسام علي (من الدورة – عكار) وحسين ضاهر (من شبعا) وبقيت جثامين الشهداء محتجزة عند العدو الصهيوني إلى أن استعيدت في 2004.
عندما استشهد حسين وبينما كان وفد قيادة الحزب الشيوعي في البقاع الشمالي  يزور منزل ذويه، انبرى شقيقه مصطفى (الذي كان يتجه ليصبح شيخا أصوليا) وقال: “هذا ليس شهيداً، انه مجرّد جثة… لا شهيد إلّا من استشهد على الإسلام ..”عندها طرد من المنزل وجاءت والدة الشهيد لتعتذر عمّا بدر من ابنها الثاني.
في ما بعد أكمل مصطفى (الملقب “أبو طاقية”) دروسه الدينية. انتقل إلى صيدا، أصبح شيخا يخطب في “الجهاد”، وعاد إلى عرسال قبل بضع سنوات بثروة لا بأس بها، فبنى مسجدا ومنزلا كبيرا وصار يفتي ويحلّل ويحرّم، إلى أن قتل على يد الجيش اللبناني في حادثة عرسال الأخيرة.
وفي ظل ما تشهده بعلبك – الهرمل من خطف و خطف مضاد، وفي ظل الخوف من إنتقال الفتنة المذهبية إلى منطقة تحكمها التقاليد القروية، لا يسعنا سوى قول عبارة واحدة “لا تظلموا عرسال”.

صبحي أمهز

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s