الحرّية مسؤولية

 “الحرّية ممارسة يومية”، عبارةُ درجت أخيراً إنسجاماً مع الثّورات العربية وما واكبها من تغيّرات في المجتمع، لتظهر، باسم هذه الحرّية لاحقاً، ممارسات لا تمت اليها بصلة، بل تشوّهها أيضاً، وقد استخدمت الحرّية كغطاء لتفجير عقدٍ مجتمعيةٍ في وجه المحرّمات المفروضة.

ظاهراتُ، كالتعري، شتم الأديان، إحراق الكنائس وتدمير المساجد والمراقد وغيرها، هي ظاهرات برّرت نفسها بالممارسة اليومية للحرية، حريةٍ لم ينتبه من يشوّه إسمها أن لها حدوداً، أو ربما هو يعرف ذلك جيداً لكنه يفيد من الفوضى الحاصلة في المجتمعات الثّائرة كي يفعل ما يريد بلا حسيبٍ أو رقيب. ماذا قدّمت علياء مهدي للثورة المصرية في تعرّيها غير إساءة للتّيار المناوئ للإسلاميين ما انتج إضعافاً لهم؟ لماذا لم تتعرَّ مهدي إلّا عند الإستحقاقات المصيرية من تصويت على الدّستور وقانون الإنتخاب؟ هل إستيراد النّماذج الغربية وإسقاطها على مجتمع ما زال محافظاً هو الحرّية بنظر من يهشّم صورتها اليوم؟ ألم تتعرّ ناشطات أوكرانيات في ساحة الفاتيكان وفشلن؟ التّعري شأنٌ خاصٌ لعلياء أو النّاشطة التّونسية التي نشرت صورها، لكن تعميمه على المجتمع لا يعدّ حريةً بل فساداً وإنحلالاً. ما الهدف من احتجاج كهذا؟ أليس عقدة من مجتمعٍ يكبت المرأة بدل محاربة الكبت بنشر الوعي وتحصين المجتمع ثقافياً، لا بمزيد من التّطرف والتّقوقع؟
هذه الحرّية هي ذاتها التي يستغلّها الإعلام اللبناني بمعظمه لتعويم ظاهراتٍ قد تتطور لاحقاً لتصبح تهديداً للسلم الأهلي، كظاهرة الأسير. هذه الظّاهرة التي ما كانت لتتفاقم لولا تسليط الضّوء الإعلامي عليها. إذاً وتحت شعار حرّية الإعلام، تتفلّت معظم المؤسسات الإعلامية من الضّوابط الذّاتية لتتصرّف كيفما يحلو لها، فتارة تغطّي الأسير والشّهال وطوراً تتجاهل هيئة التّنسيق النّقابية ومطالبها وكأنها غير موجودة، أو يروّج الإعلام للعنصرية في وجه الأجانب اللاجئين وكأنه رأيٌ لبنانيٌ عامٌ دون سماع الرّأي الآخر، مظهراً الشّعب اللبناني في موقع الرّافض لوجود الأجانب، بينما واقع الحال ليس كذلك، فاللبنانيون رافضين كانوا أم موافقين على وجود اللاجئين يطالبون الدّولة بتحرّك جادٍ وخطّة طوارئ، ليس اللاجئ من يلام، بل الدّولة التي تغيب عن أبسط واجباتها تجاه أبنائها وضيوفها.
الحرّية، التي تحت إسمها ينطلق السّكير ليوقظ النّاس على صراخه وهذيانه، ليشتم كل شيء وأي أحد، ليتعدّى ولو لفظياً على غيره، فليشرب حتّى يغرق في ثمالته، لكن لا يخرج علينا بهذا فاقداً وعيه وعقله. يمنع المجتمع المحافظ في بعض المناطق إحتساء المشروب، فيقصد أبناؤه مناطق أخرى، كالحدت مثلاً، حتّى وصل الأمر ببلدية الحدت الى أن تقفل وتمنع فتح محال بيع المشروب بعد العاشرة بسبب التّجاوزات، وطبعاً، هذا كلّه بإسم الحرّية! أي حرّية هذه التي تبرّر تصرّفات كهذه؟ للجميع الحق في فعل ما يريد طالما أنه لا يهدّد راحة غيره أو يقلقها، لا أحد يحدّ من حرّية إحتساء المشروب، وتجربة منعه في النّبطية خير دليلٍ الى أن الحرّية لا تسجن، إذ دافع أهل النّبطية عن محلّات بيع مشروبٍ، رفضاً للتعرض لحرّيتهم وإنتهاكها.
إذاً، بين قامعٍ للحرّية ومتطرفٍ تحت إسمها، يبدو أن الضّحية الأبرز هي الموضوعية والحرّية الحقيقية التي تحدّها مسؤولية الفرد ذاته، فالحرّية بالفعل ممارسة يومية، لكن أيضاً، مسؤولية.

أحمد م. ياسين

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s