البابا فرنسيس… هذا الذي نريده

لم أكن أتوقع أن أجد بابا أحب الى قلبي من يوحنا بولس الثاني، الظاهرة التي سحرتنا جميعاً، والمقبل على قداسة بعد حين. لم أحبب البابا المستقيل بينيديكتوس السادس عشر. قبلته عقلياً، ومن منطلق انتمائي الى الكنيسة الكاثوليكية الجامعة. واعترفت بسلطته الروحية عليّ. ودافعت عنه كرجل فكر ومنطق وعلم وعقيدة، خصوصاً أنني كنت أعلم كم ساعد يوحنا بولس الثاني في حبريته، لتثبيت العقيدة، وجعلها أقرب الى المنطق في عالم اليوم.
لم يتوقع أحد أثناء الترجيحات، ذلك الأميركي اللاتيني، الآتي من أقصى بلاد العالم، بل من الفقر والعوز، ليرتقي أعلى سدة في العالم. فهو أكبر رئيس دولة، والأقوى، إذ لا وقت محدداً لاستقالته، ولا انتخابات تطيحه، وله سلطات واسعة لا يحدها مجلس نواب وأمّة، أو حكومة تحدد صلاحياته، وتخفف انطلاقته واندفاعه.
لا يأتي البابا فرنسيس الى الكنيسة الكاثوليكية فقط، بل الى عالم اليوم الممتلىء كبرياء، وبغضاً، وحسداً، وجريمة، وطمعاً… يأتي حاملاً غصن الزيتون الذي باتت تفتقده شعوب وأمم ودول  غارقة في الحروب العبثية، والاقتتالات في ما بين الاخوة.
صحيح أنني كنت من أشد المعجبين بيوحنا بولس الثاني، ومازلت، الا انني اليوم ازداد فخراً بانتمائي الى كنيسة يرأسها فرنسيس هذا المتواضع، المحب، الفقير، المأخوذ بمسيح التواضع والمحبة والفقر.
البابا، كأي مسؤول آخر، محكوم بتقاليد تقيد حركته، بل حتى انفعالاته، وتجاوبه مع الناس، وخصوصاً مع المؤمنين. لكن البابا فرنسيس، ابن عالم اليوم، والمدرك لهواجس الناس، وأنواع قلقهم، وارتيابهم في أمور كثيرة، قرر أن ينزل اليهم، بل أن يبقى على ما كان في موطنه الأرجنتين، حيث كان قريباً من الفقراء، والعجزة، والمعوقين، وكل أصحاب الحاجات الخاصة، الجسدية والنفسية.
هكذا يعيد البابا فرنسيس “مسحنة” الكنيسة، إذ ان الأخيرة بتقاليدها، وبهرجتها، وغناها المادي، لا تشبه المسيح ابن الناصرة المولود في مغارة، والراكب حماراً، والمعلّق على الصليب. وهذا موضوع شك دائم وارتياب لدى كثير من المؤمنين. وهذا ما نحمل عليه دائماً من أجل مصلحة الكنيسة وأبنائها، لا حسداً ولا طمعاً ولا تصفية حسابات وما اليها.
البابا فرنسيس بحركته اليوم، من فوق، من رأس الهرم، سيعطي درساً في المحبة والتواضع، لكل البطاركة والمطارنة، وأيضاً الى الكهنة والرهبان، وأيضاً الى رجال الدين من غير المسيحيين، للعودة الى أصول الدين، كل دين، وينابيعه، إذ إن الأديان وجدت لخدمة الانسان، ولرقي الانسان، وللقاء الانسان بأخيه الانسان، لا للتفرقة، ورفض الآخر، والدفع الى قتله، وللنزول به الى مدارك الغرائز التي تناقض العقل، ولتحويله خادماً لدى مسؤولي الطوائف والمذاهب، وخاضعاً من دون القدرة على الرفض، بل حتى على ابداء الرأي.
البابا فرنسيس نحن معه في حركته للتغيير، لأنه الرجل الذي كنا نطمح اليه في هذا الموقع الحساس. انه البابا الذي نشعر فعلاً بأبوته.

غسان حجار

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s