البابا فرنسيس أوصى شباب لبنان بحمل الصليب على طرق الحياة “كما كان لبنان حاضرا في قلب يوحنا بولس وبينيدكتوس كذلك سيكون في قلبي”

كلّ ما في المشهد يمزج داخل حدود المكان جدلية الواقعة المتأرجحة في بنية الزمان بين الحاضر والتاريخ. المكان هو الكوليزيه في روما، هو المكان المخصّص في الموروث الفاتيكاني منذ أيام البابا بولس السادس لإحياء مراحل درب الصليب في يوم الجمعة العظيمة. وفي حدود المكان تتجلى جدلية الواقعة المذكورة، يضعك التاريخ فجأة بين جدران الأمس حيث كان الكوليزيه يضجّ بأصوات بشر وحيوانات هائجة تنقض على أجساد المسيحيين الأوائل، شهداء الكنيسة.

استبدل شباب لبنان في ذلك اليوم أجساد الشهداء المتألمة بآلام شرقنا المعذب والعالم، فتضمّنت تأمّلاتهم الـ14 صلوات تتناول صمت الله أمام الشرّ والظلم، والعلمانية القاتلة والأصولية العمياء، العلم والتكنولوجيا اللذين يحدّان العقل البشري، وتحديات العائلة، وعدم فصل عيش المحبة عن الإيمان وتقبل الإعاقة، والفقر والطفولة المهانة والمشرّدة، والتسامح الديني وحوار الأديان، وكرامة المرأة والتمييز العرقي، والعمل المسكوني، والهجرة والمهاجرين والبطالة، والمخدرات والإنحراف الفكري والأخلاقي، وحضارة الموت والقتل الرحيم والإجهاض، والحروب والإرهاب والإجرام، والشبيبة التي تعيش اللامعنى والفراغ الداخلي.
وضع شباب لبنان تأملات درب الصليب في سابقة تاريخيّة، اذ هي المرة الأولى التي يطلب فيها البابا من شباب بلد معيّن القيام بذلك، وكان لبنان البلد الأول الذي يحظى شبابه بهذا الشرف. تحدّث منسّق مكتب راعوية الشبيبة في الدائرة البطريركية المارونية الأب توفيق بو هدير عن هذه الخبرة الروحية الفريدة في تاريخ الكنيسة ولبنان وروى تفاصيل تعود إلى أيلول الماضي “يوم زار البابا السابق بينيدكتوس السادس عشر لبنان والتقى الشبيبة في لقاء خاص في بكركي، تأثر قداسته باللقاء وقال لي في اليوم التالي أن أشكر شبيبة لبنان واصفاً اللقاء معهم بأنه قلبي مليء بالحرارة والحماس. وفي أكثر من مناسبة عبّر قداسته للبطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي عن فرحته في لقاء الشبيبة”.

بينيدكتوس اختار شبيبة لبنان!

وفق بو هدير “يطلب البابا كلّ سنة إلى الكرادلة تحضير التأملات التي تتلى في المراحل الـ14 لدرب الصليب. كان البابا يوحنا بولس الثاني هو من يحمل الصليب ويحضّر التأملات ومع تقدّمه بالسن بدأ يطلب من الكهنة والرهبان والراهبات وعلمانيين مختارين أن يحملوا الصليب في المراحل ويطلب من الكرادلة أن يحضروا التأملات. كان بينيدكتوس يمضي بالطريقة عينها، لكن الفرق يكمن في أنه عام 2012 سلّم عائلة من الفوكولاري مسؤولية تحضير التأملات”. لكن بعد لقاء بكركي أراد قداسته “أن يخصّ شبيبة لبنان بهذه المهمّة، فامترجت مشاعرنا حينها بشيء من الفخر والمسؤولية والرهبة وقررنا أن ننفذ المهمّة بروح الشركة والمحبة وتماماً كلقاء الشبيبة أردنا أن يكون الجميع ممثلا”.
وزع مكتب راعوية الشبيبة البطريركي تحضير التأملات بطريقة القرعة على لجان الشبيبة اللاتينية والملكية والسريانية والكلدانية والأرمنية والقبطية والمارونية وعلى قطاعات الطلاب الجامعيين والثانويين والنشء الرهباني والإكليريكي والحركات الرسولية والجمعيات الأهلية وذوي الحاجات الخاصة والجماعات الشبابية المسكونية والمهتمة منها بالحوار مع الأديان. “وطلب منا البطريرك تأليف لجنة تضمّ بيبليين ولاهوتيين ليحددوا لنا المراجع البيبلية لكل مرحلة واقتراح النيات. أردنا أن تحمل التأملات تميّزاً يشير إلى خصوصية الشرق ولبنان ومعاناتنا وآلامنا وانتظارات الشباب وأحلامهم، ومنحها طابعا عالميا ليشعر كل من يقرأها أنه معني بها، لكننا طبعا لم نفوت الفرصة في جعل الجميع يصلون من أجل الشرق ولبنان”. أما موعد تسليم التأملات فكان يوم الأحد 10 شباط “التزمنا موعد التسليم بعد تنقيح النصوص طبعا، لنفاجأ يوم الإثنين باستقالة البابا”.
بعد تسليم التأمّلات “وصلتنا رسالة تهنئة من الفاتيكان على دقتنا والتزامنا الوقت ومن ثم وصلتنا رسالة تهنئة أخرى على عمق الصلوات وجمالها والعمل عليها بطريقة عميقة. أصدرنا بعد ذلك كتيّبا يتضمن المراحل والتأملات بالفرنسية والعربية. كانت ردة فعل الفاتيكان مصدر فخر للبطريرك ولنا”. وتابع البابا الجديد فرنسيس الطريق إياها. وأضاف “قمنا بعدها بإعلام الشبيبة أننا سوف نشكل وفدا للمشاركة في درب الصليب في روما، وضم الوفد 45 شابا من مختلف الجماعات والمناطق”. بعد انتهاء درب الصليب “تمكّن قسم منا من أن يصافح البابا، شخصيا طلبت منه أن يباركني ويبارك شبيبة لبنان وبقي يحدثني بحماسة إلى أن سحبتني الشرطة. لكنه لم يصمت بل بقي مستمرا بحديثه بلهفة قال لي أنقل تحياتي للبطريرك الراعي، وهنأني على الصلوات وقال انها عميقة وجعلته يصلي بحماسة. واضاف “كما أن لبنان كان في قلب الطوباوي يوحنا بولس الثاني وفي قلب بينيدكتوس سوف يكون كذلك في قلبي. أوصي شباب لبنان بأن يحملوا الصليب على طرق الحياة كما حملوه داخل الكوليزيه، كونوا شهودا له وللمسيح القائم من الموت”. قلت له أنا متأكد من أنه ستصلك دعوة رسمية لزيارة لبنان ولكن اقبل من خلالي دعوة الشباب فقال: إذا أراد الله ذلك”.

خبرات لا تصفها كلمات

حملت مارييل بطرس من مكتب الشبيبة البطريركي شمعة من شموع درب الصليب “كانت هذه اللحظات ذروة خبرتي الروحية ولا أزال أعيش ثمارها إلى اليوم. عدت إلى حياتي المهنية واليومية، وأمام كلّ تحد أجدني أعود إلى تلك اللحظة النادرة في حياتي التي توّجت خبرة الصوم والتحضير لدرب الصليب”. مع كلّ خطوة قرب الصليب شعرت مارييل بأنها تقترب “أكثر من السماء، شعرت أن حضوري هناك هو نعمة من الله تضع على كاهلي مسؤولية كبيرة، لذلك كان علي أن أحمل في صلواتي وقلبي عائلتي ورفاقي ولبنان والشرق كلّه. ووضعت نصب عينيّ المرحلة الـ15 وهي مرحلة القيامة لأنني على يقين بأن القيامة موجودة دائما، لا زلت حتى اليوم عاجزة عن التعبير”. وعبرت بطرس عن فرحتها بمصافحة البابا “فهو لم يسمعنا فقط بل تبادل معنا الحديث وتفاعل معنا بلهفة”.
بدوره شارك جو زوليكيان من كنيسة الأرمن الكاثوليك في وضع تأملات المرحلة الثامنة وأكد أنه كان “من المحظوظين الذين تمكنوا من المشاركة في درب الصليب في روما ومصافحة البابا. هي لحظات نادرة لا تعوّض شعرت فيها بالفرح والفخر، من الصعب وصف اللحظات التي جمعتني بقداسته. عرّفته عن نفسي وطلبت منه أن يباركني ويبارك الشبيبة ولبنان، وفي المقابل سألني هو أن أصلي من أجله ومن ثم منحي البركة”. وتحدّث زوليكيان عن رمزية الحدث مشيرا إلى أن “شبيبة لبنان هم أبناء الشرق والأرض التي عاش عليها المسيح”.
أما غسان غريّب من طائفة الروم الكاثوليك فشارك في وضع تأملات المرحلة الثانية، وأوضح لـ”نهار الشباب” أن وضع شباب لبنان للتأملات هو “لفتة جميلة من الفاتيكان لمسيحيي الشرق وتأكيد أهمية الوجود المسيحي فيه”. ولفت إلى أن “التشبّث بالشرق والمحافظة على الوجود المسيحي فيه كان محور صلواتي وأكثر ما يهمني. شعوري كان رهيبا عندما اقتربت من البابا فرنسيس همست في أذنه كلمات أحتفظ بها لنفسي”.

باسكال عازار

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s