جهاد العيش المشترك في لبنان

 نتغنى في لبنان بما نسميه العيش المشترك، وأنا أفضّل أن أسميه العيش الواحد. فالعيش المشترك مثل العيش معاً، يستمر جنباً الى جنب، وليس في نسيج واحد. هكذا عشنا منذ ما قبل دولة لبنان الكبير. كانت الفتن الطائفية خبزنا اليومي، وكانت أيام العيش الواحد الجيدة غير قليلة، لكنها أيضاً لم تكن وافرة. والسبب الأول لهذه الأزمة المعيشية هم المسيحيون. لا لعلة فيهم ، بل لعلة وجودهم. فالشرق لمّا دخل في الاسلام، ولمّا غزته حروب صليبية المسمّى، ما عاد يعرف التنوع الحقيقي الا في بلاد الشام. أما في خارج هذا النطاق الجغرافي، فكان الرأي الواحد، والشكل الواحد، واللون الواحد، والأهم الدين الواحد. وما لبثت هذه الثقافة السيئة أن توسعت لتشمل بلداننا. فهذا العراق تهجّر مسيحيوه، ويعيش صراعاً سنياً- شيعياً لتحديد هوية مستقبل البلد، في ظل الصراع الايراني- الشيعي من جهة، والخليجي- السني من جهة أخرى. وقد انضمت الى المحور الثاني أخيراً تركيا  بعثمانيتها واتجاهها الأخواني. في المقابل انضمت سوريا العلوية الى المحور الشيعي، ومعها “حزب الله” في لبنان.
بعد العراق، ها هي سوريا توشك أن تخسر التنوع الثقافي، والديني، والمذهبي، ولا ننسى مصر العروبة التي تحولت الى “الاخوان”، و”تطور” دستورها ليصبح الاسلام دين الدولة الرسمي، كأن لا وجود للأقباط المسيحيين يعود الى بداية المسيحية، بل الى حضارة تمتد على 6 آلاف سنة قبل المسيحية والاسلام معاً.
اليوم لا يشعر المسيحي فقط بالغربة في بلده، بل نكاد نصير كلنا غرباء، لأن أوطاننا تكاد تشبه اسرائيل التي نحاربها. بل ان اسرائيل أفضل منا علوماً وتكنولوجيا وتنظيماً واحتراماً للقانون، وأيضاً تسلحاً وعتاداً وعلاقات خارجية توفر لها الاستمرار.
لم يسأل أحد عن شعور الكردي في بغداد؟ والكلداني؟ والسرياني؟ والشيعي؟ والسني أيضاً؟  وما هو شعور العلوي السوري؟ أو الدرزي؟ أو الأرمني؟ أو الشيعي؟ يكاد هذا الشرق يصير غريباً عن تاريخه، عن هويته، عن حضارته. فأين  تراث ما بين النهرين؟ وأين حضارة النيل؟ وأين قلعة بعلبك مما كانت عليه زمن الستينات والسبعينات من القرن الماضي؟
يقول البعض إن المقاومة، بل المقاومات، أحبطت كل الخطط الأميركية (والاسرائيلية) لتفتيت المنطقة. كم ان الأمر مضحك، لأن الاستنتاج خاطىء. والأمور لا تقاس باللحظة، بل بالنتائج وإن بعيدة الأمد أحياناً. هل يمكن أن نشهد تفتيتاً أكثر مما هو قائم حالياً؟ وأكثر مما نحن مقبلون عليه؟ فلسطين دويلات؟ وسوريا تكاد تقبل على تقسيم؟ والعراق أيضاً؟ وماذا عن كردستان؟ وعن كانتونات لبنان غير المعلنة؟ وما هي أحوال تونس والبحرين والأردن والسودان؟ هل يمكن أن تعيش أي منطقة في العالم حروباً مشابهة وأوضاعاً غير مستقرة كالتي نشهد عليها ثم تعلن انها انتصرت على المؤامرات؟ انه لأمر مضحك ومبكٍ في الوقت عينه. مضحك لأن خلاصاته مضحكة، ومبكٍ لأن الناس يصدقون ما يقال لهم ويتناقلون الكلام عن انتصارات وهمية زرعت في مخيلاتهم.
اليوم، لن يتمكن قادة الطوائف وزعماء المذاهب من بناء مستقبل آمن. جلَّ ما يمكنهم فعله في هذه المرحلة المصيرية هو الحد من الخسائر اذا أمكنهم ذلك.
نسمع اليوم في محيطنا عن أنواع جهاد. فيه المفزع وفيه الطريف، كجهاد النكاح مثلاً. لكن الانعكاسات على الناس مرعبة في كل حال، إذ ان تراجع حكم القانون يجعل من الفتاوى سيدة الأحكام. وبما أن لا رقابة حقيقية على الفتاوى، فانه بالإمكان أن يصبح          “أبو اسلام” الذي أفتى بجواز اغتصاب الفتيات في ميدان التحرير في القاهرة، هو النجم، وهو المرجع، وهو المحرك لشارع يختزن الكثير من النقمة التي تحولت عنفاً.
مع تراجع القانون يصبح العيش معاً صعباً، ويحتاج الى جهاد آخر. ولقبول الاجتهادات والفتاوى عليك بالجهاد . وللتنعم بحياة هانئة عليك بالجهاد. ولقبول تراجع الحريات من دون يأس واحباط عليك بالجهاد، الجهاد يصبح من يومياتنا، لا يكفي أن تجاهد لتحارب الاحتلال الاسرائيلي، والوصاية السورية، والبندقية الفلسطينية على أرضك، بل عليك اليوم أن تجاهد للعيش مع مواطنك الذي صار يصنفك وفق أهل السنّة والجماعة، أو المقاومة الشيعية، وبين تأييدك النظام السوري أو رفضه والمضي مع المعارضة، وبين قولك شكراً قطر، أو التراجع عن العبارة لتشتم الدوحة، وبين رهانك على “السين- سين”، أو تحوّل اللقاء مستحيلاً . مع كل هذا يصبح العيش مع شريكك في الوطن جهاداً في ذاته. ولكن بما ان الجميع يؤمن بالجهاد المقدس، على قول المطران جورج خضر، فإننا جميعاً مدعوون الى هذا الجهاد المقدس من أجل المحافظة على وطننا المقدس لبنان، واذا لم نتفق فالطلاق وهو أبغض الحلال، هو الحل. فهل يكون بالحسنى، ويتم الاتفاق على تقاسم البلد من دون دماء تهرق عبثاً؟

غسان  حجار

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s