النيابة، ولو بالتزكية، لا أريدها

اتصل بي صديق أمس من بلدة بسكنتا المتنية، وأخبرني بنيته الترشح الى الانتخابات النيابية المقبلة، بعدما كان والده قضى في نضاله الاجتماعي قبل أن يبلغ ساحة النجمة. وبعدما أطلعني على ما يقوم به من اتصالات ولقاءات، وما يلقاه من دعم أصدقاء له، وآخرين للعائلة، ومؤمنين بضرورة بروز وجوه جديدة لإيصالهم الى مجلس النواب، نحا في الحوار المستمر بيننا الى الترفيه. وسألني ما اذا كنت أملك صداقات في وزارة المال؟ ولما سألته عن السبب، دعاني الى الافادة من تلك الصداقة، لدفع رسم الترشح، والتقدّم تالياً بطلب سريع الى وزارة الداخلية، لأن عدم الإقبال الحالي على الترشح يفيد في جعل كل واحد منا مرشح تزكية، وبالتالي يصبح فوزنا في النيابة حكماً واقعاً.
ولما سألني اذا كنت لم أفكر في الموضوع جدياً، قلت له اني مؤمن بضرورة الفصل ما بين السياسة والصحافة لأنهما لا تلتقيان، واندفاع الصحافيين والاعلاميين الى لعب دور سياسي من خلال القيادات الحزبية، أو النيابة، أمر مسيء بل مَرَضي، لأن الاعلامي الطامح الى النيابة يفقد دوره الرقابي ولا ينمّيه في المجلس بعكس ما يقوله البعض لتبرير اندفاعته.
أساساً، كان أحد أساتذة الاعلام يقول ان العلاقة بين السياسي والصحافي يجب ألا تتحول صداقة، لأن نشر الأخبار النقدية، بل سرقتها أحياناً من السياسي، لا تجوز في قالب الصداقة، التي تفقد الصحافي موضوعيته، وقدرته على النقد، وبالتالي صدقيته، وتصبح كل دردشاته مع السياسي حديثاً بالأمانات.
والصداقة مع السياسي هي في محل الاستزلام والولاء له ولخدماته المالية أو السياسية أو الإدارية أو الاجتماعية.
فاذا كانت هذه حال الصداقة مع السياسي، فكيف بطموح الاعلامي الى العمل السياسي. سيفتش أولاً عن المال الضروري في لبنان للعمل السياسي، وسيبحث عن الدعم السياسي، والطائفي، والمذهبي، مما يعني اعلان ولائه لجهة ما، وسيسعى الى إبعاد الخصوم لعدم إزعاجه في مرحلة الاستعداد للانتخابات، وسيعمل لإرضاء زملائه الاعلاميين بالطرق والوسائل التي كان يرفضها وينتقدها قبل ذلك.
وقلت له بالحرف: “ألا تعلم اني انسان لا يؤمن بالديموقراطية، ويرى فيها حكم الأكثريات غير النوعية حتماً، وبالتالي فإنها لا تضمن وصول الأفضل والأقدر والأفهم والأصلح الى السلطة، بل تحمل كثيرين ممن لا يليق بهم المكان والموقع. ولكن هذه سيئات الديموقراطية، وعلينا أن نقبل بها ما دام أن لا بديل أفضل منها”.
ولما سألني “لماذا حولت المحادثة مأسوية، كنا نريد أن نضحك”، أجبته “ليس في النيابة ما يضحك. انها واقع مبكٍ، لأن النائب في لبنان لم يعد مشرّعاً. وكثيرون من النواب أصلاً لا يفقهون في التشريع أمراً. لكنهم صاروا معقبي معاملات، ووفود تعزية، وتهنئة، ودعوات عشاء وغداء، وبعض المقابلات الاعلامية. يتحولون شخصاً عاماً بكل ما للكلمة من معنى. واذا لم يكن النائب غنياً، ولديه الامكانات والمصالح التي تدر له مالاً، فإنه سيبيع ما يملك من أرض ومنزل وسيارة لتلبية حاجات الناس الحقيقية أو المزورة، أي الكاذبة والهادفة الى ابتزاز النائب مالياً “بعدما أمّنا له ألف صوت أثناء الانتخابات”. والنائب مضطر الى التظاهر بالاقتناع أمام ما يتردد أمامه من أكاذيب عن عدد الأصوات والعائلات وغيره.

هوامش:
¶ سيسأل البعض: وهل عرض عليك أحد النيابة فعلاً ورفضت؟
سأجيب: كلا لم يعرضها عليَّ أحد. ولكني مهيأ، في المبدأ على الأقل، للرفض، لأني بت مقتنعاً بأن مواقع كثيرة في الحياة أهم من النيابة إلا لدى الحالمين بالنمرة الزرقاء الذين باتوا يعلقون شارات مشابهة تارة للنقابات  وتارة أخرى للقضاء، وما أكثرهم رجال الدين الذين وضعوا على سياراتهم هذه الشارة، كأنها ترفع من شأنهم.
¶ النيابة في لبنان، ولدى البعض، مصدر للربح الوفير، لذا يبدون استعدادهم لدفع ثمنها، إما بالولاء المطلق حتى الاستزلام، وإما بتمويل حملات اللوائح، ودفع بعض “الكاش” لرئيس اللائحة، لأن في نيتهم أن المبلغ المستهلك يمكن تحصيله لاحقاً.

غسان حجار

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s