Forum

رقص ضرائح الشهداء

نعيب غراب توشّح بالسواد وتحكّمت الغصة بصوته “الغليظ”…
أعلن الحداد… الحداد الأبدي، فتشرذمت أفكاره المتطايرة مع أجزاء من رفات بعثرتها قوة حقد نارية بامتياز!
حلّق الغراب بعيداً، عالياً، خوفاً من أن تمسّه شظية حقد وكراهية، فهو بكل سواده أكثر بياضاً من أفئدتهم، ونعيبه بكل برودته أشد وطأة من صوت آلاتهم الحادة المستثمرة صدى شرورهم!
بكى الغراب وأسقط دمعة ليطفئ ولو كمّاً قليلاً من جمّ الحطام ووهله، لكن النار المتوحشة والضارية كانت أقوى وابتلعت دمعته مشوّهة ملامحها ومحوّلة إياها جزئيات متبخرة رافقت أرواح الشهداء نحو السحاب… صوب السماء!
أكمل الغراب رحلته مستغرباً متسائلاً ومتألماً.
وكان مساء وكان صباح يوم… فقد فجره.
استفاق الغراب، لكن ليس على صوت صياح رفيقه الديك كما جرت العادة، بل على وقع قسم الديك المصحوب بأغانٍ وطنية وشعارات… كلمات وكلمات منددة بالجرم والقتل.
راح صوت الغراب “الغليظ” يرافق الأغنيات الوطنية ويردد الخطابات الإستنكارية، لا بل يسابقها… كيف لا وقد حفظها عن ظهر قلب، إذ ورثها عن والده الذي “اكتنزها” عن جدي.
نعم، أضحت هذه الشعارات ميراث العائلات الوحيد المتناقل من الدهر الى الأبد!
فالمشهد واحد، الموت واحد، وسخرية القدر واحدة منذ القدم!
رافق الغراب موكب التشييع المهيب الذي تتقدمه وحدات مصطفة بانتظام تعزف بآلاتها الموسيقية العملاقة ألحان الفراق والردى والحزن.
حاول صديقنا الاقتراب من الموكب قدر الإمكان، لكن الذبذبات الموسيقية منعته من ذلك، ودفعت به بعيداً… إذ ليس لهذا الغراب مكان بين الغربان!
نظر من عليائه بتمعّن، لكن زرافة المحتشدين حجبت عنه رؤية نعش الشهيد المكفّن بلواء الوطن. وكل ما رآه كان بيارق مزركشة الألوان والأشكال. فاستغرب الغراب، إذ إن الأعلام المرفوعة لا تشبه ذاك الذي ارتداه نعش الشهيد!
تساءل صديقنا: ترى من هو الشهيد الذي تكفّنه الألوية، أذاك القابع في نعشه أم تلك الهتافات المتعالية والعالية تحت مظلّة البيارق المختلفة والمتعددة اللون؟
انتهت صلاة التشييع… وفي خضم صمت مطبق سمع غرابنا أصوات قهقهة جعلت الفضاء يتمايل… وها هي الضحكات تقترب والفضاء على وشك الوقوع!
خاف الغراب، ارتاع ونظر من حوله ليرى آلاف بل مئات الآلاف من الغربان تقهقه… فهي عاينت المشهد نفسه ورافقت الشهيد عينه.
ثم اجتاز المقهقهون القبر، دخلوا الضريح، فجرّدوا الميت من كفنه وراحوا يقتاتون من بقاياه… حاول الغراب أن يمنعهم، لكنهم الأكثرية… فقتلوه، وأكملوا مهمتهم حتى النهاية.
وبعدما أكل الغربان بقايا الجيف المشرذمة، سكرت على رائحة الدماء وراحت ترقص على الضرائح… منتظرة قوتاً آخر… منتظرة جسداً آخر!

روي أبو زيد

صرخة ثكلى

صرخت يا بحر ردّلي حبيبي
كرمال الله طفّي لي لهيبي
هيدا وحيدي ونور عينيي
بحلف لك يمين عم امشي غصيبي
ما عاد عندي دموع نزّلها
وآهات صدري عم تسمع نحيبي
يا بحر ردّو لعند أمو
اشتقت كتير لروحي وطبيبي
ضهري انكسر عالهم يا ابني
وريحتك بالبيت يا احلى الشبيبي
يا ناس ابني بالبحر غرقان
بلاني الدهر وكبيري المصيبي
عم بقشعك جايي مع الموجات
من موجي تطل عم اطلب طليبي
وناطره بلكي بيجي ابني
وبقدرتك يا رب تعملها عجيبي

حسنة محمد عباس
(دير عمار)

ماذا نكتب؟

سؤال صعب، له الف جواب وما من جواب له. اكتشفت اخيراً اننا ندفع ثمن الكلمات بعملة ارواحنا. وراء كل نص بطولة شخصية اردناها وعقد صغيرة مختبئة في زوايا النفس تفتش عن ثورة. محاولة فاشلة لقتل شبح العبودية المستترة والتي قد تكون مزينة بمبادىء تغوينا.
وراء كل قصيدة غزل حبيبة كانت لنا او اخرى ننتظرها او مغامرة عبرت بلحظة كشعاع شمس في الفضاء وتركت مكانها أثر طيب وجرعة شرقية من الرجولة وحقيبة كلمات. حتى نحن لا نفهم لكثرة الحرية ما الذي يكتبنا، نكتفي بالمحاولة وارتشاف شغف تحدي المجهول مع كل قهوة لقاء ومع لذة إطفاء السجائر مع تلك البسمة.
وراء كل مقالة سياسية مواطن تحرك في داخلنا، ظلم طاولنا في صميم احلامنا. واقع كبلنا وحاول تدميرنا فهربنا لنصمد في ساحة الكلام اوراقاً وعناوين. انحطاط في ممارسة الشأن العام اساء الى اهلنا وأهل وطننا والى اولادنا المستقبليين، ذكّرنا بأن علينا الرحيل. وراء مقالاتنا قد يكون انجاز ما ذكّرنا بقوميتنا الضائعة ولون مدى الامل من جديد فأعطانا طاقة ظرفية انعكست بثقة وتكبر خربشات على ورق.
وراء كل وصف لإنسان التقيناه إنسان اردناه ان نكونه او آخر خشينا ان نكونه او صورة لأحد الأحبة الحاليين او السابقين انعكست في عينيه. نتعرض يومياً لوجوه تفتح من دون استئذان ابواباً اكلها الغبار لأمس لا يزول، يشرق ويغيب عشوائياً. في كل صدفة احتمال غارة مفاجئة نقصف فيها بصواريخ كلمات وتنهار قنابل الحروف على رؤوسنا.
في جولاتنا ورحلاتنا وانجازاتنا واخفاقاتنا نتعرض يومياً لمطر الحروف. فلماذا نكتب؟ لا سعياً وراء مال ولا سعياً وراء منصب، نحن نكتب لنعيش ولئلا نشعر باقتراب الموت. نكتب لنحاول ان نسير على طريق ان نعرف يوماً لماذا نكتب وماذا نكتب…

الياس صدقة

تحية وفاء

دقت الساعة الأولى إلا خمس دقائق
حجبت الرؤية وقطعت الأنفاس
إشتعلت النيران، عجزت الألسن عن الكلام
كدرت الوجوه وشخصت الابصار
جفت الدموع، نثرت الجثث في كل مكا
إنه لقدر محتوم من الملك القدوس
واحسرتاهن يا لها من فاجعة مروعة
ثماني سنين مرت على وطن ميتم،
وطن تواق الى الخيرات والعمل البناء
كم نتوق الى العدالة وكسب الإستحقاق،
إستحقاق إستهزأت به أكثر من فئة وإنسان
إنه ليوم مشرق يا ابا بهاء،
يوم تظهر الحقيقة فيعم السعد كل صوب ومكان
يوم تعلق مشانق السفاحين على ضرائح الشهداء البرار،
دعونا نحلم، فلم يبق لنا سوى الحلم في دنيا الغاب
واذا لم تتحقق العدالة اليوم، فلا ريب في اليوم الموعود
اشتقنالك يا رفيق الوطن
عشتم وعاش لبنان

ساره بكداش

امرأة انا… وافتخر!

الى رجال الدين وملوك الطوائف…
حرية انا اضاعوا هويتها
حقيقة انا اغتصبوا كيانها
مساواة انا لا تحمل الا صوتها
ثورة أنا لا تحرق الا من نارها
صرخة انا لا تولد الا من رحم ذاتهاد
عدالة انا اذا لبسها البعض تعرى
مدرسة انا اذا دخلها البعض تعلم
دين انا كفروا بايمانه
قانون انا نهشوا حقوقه
جنسية انا معها انتهى عهد الانتداب
جواز سفر انا معه انتهى عصر الانحطاط
مواطنة انا في وطن طائفي ذكوري
عقل انا غير مرهون بمجتمعنا السلفي الذي كلما حاول التفكير فكر بنصفه السلفي
جسد انا غير مخصص للبيع
امرأة انا… وافتخر

سيندي ابو طايع

في نعمة الحياة، نمرح!

انا لا أُقهر… سأرسم طريقي في الحياة كما اريد. القدر سيستجيب لارادتي… الابواب ستُفتح امامي، سأتجاوز كل العقبات.
كل انسان منا يخطط للمستقبل، يبحر بطموحه نحو جزر الاحلام، البعض يريد سيرة مهنية ناجحة، البعض يريد المال والشهرة، البعض يريد حبا قد يتوّجه بزواج وعائلة، البعض حتى يريد تغيير العالم من حوله. انا لست في وارد عقد مقارنة بين احلام الناس وطموحاتهم، فكل انسان حر في امتطار الحلم الذي يريد، ولن اسرد احلامي الآن لأن لا حدود لها… انا اكتب اليوم عمن يعاكسه القدر، من يتعرض لحادث يغير مجرى حياته، من يصاب بمرض يتطلب علاجه سنوات، اكتب عن الجسد الذي قد يعجز عن مجاراة روح صاحبه… اني احاكي تلك اللحظة التي يستنتج فيها المرء ان لا قيمة لكل ما حوله ان انعدمت صحة جسده. تلك اللحظة التي تتكسر فيها مخططاتنا المستقبلية بسلطة القدر…  لحظة ضعف لأننا كبشر لا نقوى على ارادة الله. تلك اللحظة التي تتكسر فيها مخططاتنا المستقبلية بسلطة القدر… لحظة ضعف لأننا كبشر لا نقوى على ارادة الله. لأن نعمة الحياة ووجود من نحب حولنا اغلى من كنوز الدنيا كلها.
من منا لم يحزن على امور يجدها بعد فترة سخيفة؟ من منا لم ينزعج من اشخاص فيستحوذون على تفكيره أياما ليعي بعد فترة ايضا انهم لا يستحقون دقائق من تفكيره؟
الحياة اغلى من امتحان تنال عليه علامة متدنية اغلى من وظيفة تخسرها، من صديق يغدر بك، من قريب يطعنك في الظهر، او حتى حبيب يهجرك… ذلك النبض في قلبك والهواء الذي يدخل رئتيك لا يقدران بثمن…
صدقاً، نحن في نعمة الحياة، نمرح… وقليلون منا يدركون عظمة تلك النعمة!

نور زاهي الحسنية

سلوى الأمين: نسيج نفسها… وكفى

من الصعب أن يكون الانسان نسيج نفسه، وتلك مسألة لا تتطلب المصالحة مع الذات، انما مواجهتها، وانتقاد مكامن الخطأ والصح فيها، ومتى اكتمل النقد والنقد الذاتي يصل الواحد منا الى خواتيم سعيدة.
الدكتورة سلوى الخليل الأمين هي من هذه القماشة التي يحتاج اليها كل من يتعامل مع الكلمة. ومبعث استنتاجي هذا، ليس عن سابق معرفة فقط، وانما نتيجة ما تكتبه وتنتشره.
وبمقاربة ولو سريعة يتلمس القارئ مدى المتغيرات في الاسلوب كشكل، والمضمون وكحامل للأول… والعكس صحيح.
أميل الى اعتقاد راسخ ان العطاء على صعيد امتهان الكتابة، لا يأتي إلا من خلال التوتر معها… هذا التوتر الذي يشكل رافداً لاستنهاض مكامن النفس.
بصخبها وهدوئها… الفرح والحزن، الى كل الانفعالات التي تجتاح الكيان الداخلي لهذا الانسان أو ذاك.
وبقدر ما يقترب الكاتب من التعبير عن تلك المكامن، بقدر ما ينجح في ايصالها الى المتلقي… وهما ثنائية منذ ان وجدت ريشة النعامة الى القلم الذي نكتب فيه اليوم، تتبدل الوسائل لكن الغاية واحدة، استنهاض المعقول أو المستحيل من واقع معاش، رغم لحظوية المتغيرات.
تطل سلوى الأمين من نافذتين:
الاولى: كونها عَلَم من اعلام الثقافة والإعلام من موقعها في وزارة السياحة.
الثانية: من شرفة رئاسة جمعية ديوان أهل القلم ومعها سائر المؤسسات والجمعيات المدنية التي تعمل معها. وإذا ما اعتمدنا الرياضيات أساساً، تصير المعادلة كالآتي:
القلم يشرع الاعلام والثقفة، وكلاهما يحفزان بعضهما البعض لرحاب سياحة في رحاب حب الاستطلاع الذي ينمو في رحم المعرفة.
لا، أريد أن أطيل:
هكذا، أقرأ غيباً الدكتور سلوى الخليل، الأمينة على استدراج ثقافة وطن الى حاضرنا.

عماد سعيد
This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s