أين ضميركم أيها السياسيون؟

بابا روما،  رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم يتقاعد. يشعر بوطأة السنين، ويعترف بعجزه عن متابعة المهمة. يقرر الاستقالة. قرار كبير،لا يتخذه الا الكبار. حتى البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، الكبير جداً، لم يتمكن من هذا القرار. ظل يردد سائلاً “ولمن يقدم البابا استقالته؟” لا تمسكاً بسلطة، بل ايماناً بمفهوم فلسفي ينص على أن البابا ممثل المسيح على الأرض. فهل تجوز بعد هذه الرفعة الاستقالة من المهمة العظيمة التي أئتمن عليها؟
البابا بينيديكتوس السادس عشر اتخذ قراراً تاريخياً. تخلى عن أرفع سلطة في العالم، تجمع الدين والدنيا، ولا تخضع لولاية، أو وصاية، لا لزمن، ولا لقوانين انتخابية، ومهل ادارية …
المختار عندنا، أو عضو البلدية، يتمسك بموقعه ويفضل أن يموت حاملاً اللقب. وهو ان خرج من تلك السلطة المحلية، الضيقة في التاريخ والجغرافيا، يظل حاملاً اللقب. الانتخابات المحلية، تولّد عداوات ومشكلات تدوم عبر الزمن. الوزير والنائب يجهدان لأن يرث أولادهما المقعد والوزارة، كأن الموقع ملك العائلة، أو هو منصب متوارث، أو كأن ثمة عائلات سياسية يفهم ابناؤها في الشأن العام أكثر من غيرهم، ولو كان بعض هبل يمسهم.
السلطة أساساً لمن يحسن استخدامها هي الخدمة العامة. السياسة، في مفهومنا، التزام الشأن العام، لا الركوب على ظهور الناس، وتحقيق المصالح الشخصية والعائلية على حساب هؤلاء الفقراء.
في لبنان، سوء استخدام واستغلال للسلطة. لا كبار يدركون جيداً اللحظة المناسبة للانسحاب، التكتيكي، الاستراتيجي… لا تهمّ التسميات والأوصاف. المهم انه انسحاب اللحظة المناسبة قبل التراجع المريع الذي يعرض للمهانة.
رؤساء جمهوريات حلموا بالتمديد، وعملوا للتجديد، ولو لنصف ولاية، ولم يخرج أحدهم من السلطة مكرّماً. الولايات الممدّدة والمجدّدة كانت سبباً لعدم الاستقرار، وعرّضت أصحابها لقلة الاحترام، لأن هؤلاء ائتمنوا على الدستور، لا لتسخيره لطموحاتهم الشخصية. ألَيسَ رئيس سابق أفضل من رئيس حالي ممددة ولايته ولا أحد يطيعه ولا أحد يقدره؟
لقد شكلت استقالة البابا مفاجأة صادمة للعالم، وتحديداً لأهل الفاتيكان، والكرادلة خصوصاً الذين سيجدون أنفسهم أمام ادارة جديدة، وطريقة جديدة في التعامل مع القضايا والملفات، وأشخاص جدد في مواقع حساسة.
العالم كله فوجىء، وهو يستعد لمرحلة جديدة من العلاقات الدولية مع بابا جديد، ربما يكون له الأثر الفاعل في السياسات العالمية، كما وفرّ يوحنا بولس الثاني الدعم لإسقاط الشيوعية في بلاده، ومن ثم في العالم.
سياسيوّنا أو كثر منهم، أبدوا رأياً في موضوع الاستقالة. البعض امتدح البابا على خطوته، وآخرون لم يجدوا لها تفسيراً. لكن الأهم في الموضوع انهم جميعاً لا يتعلمون، ولا يعتبرون. فالاستقالة ليست حدثاً عابراً، وانما قرار على قدر عالٍ من المسؤولية والجرأة والنضج الانساني والروحي.
وأعتقد ان كثيرين من مسؤولينا أيضاً لا يسمعون. فقد قال البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في الموضوع كلاماً كبيراً الأحد الفائت.
قال “كم أتمنى أن يقتدي ضمير المسؤولين السياسيين عندنا بضمير قداسة البابا المهني المسؤول، فنسألهم باسم ضميرهم: هل أنتم قادرون على ممارسة مسؤولياتكم الجسيمة؟
وهل ضميركم المهني مرتاح، حين تشلّ الأزمة السياسية البلاد وتهدد كيان الوطن وتضع مصير شعب بكامله على المحك؟ وحين تعجزون عن وضع قانون للانتخابات، يكون على قياس مكوّنات الوطن، لا على قياس أشخاص نافذين؟ وحين تتعطل الانتخابات؟
هل ضميركم المهني المسؤول يرتاح لإضرابات المعلمين ولقفل المدارس، وبالتالي معاقبة التلاميذ وأهلهم والبرامج التعليمية والعمل التربوي؟
أين ضميركم، أيها المسؤولون السياسيون، حين السلاح غير الشرعي، المغطّى سياسياً، يتفشّى ويتزايد على مساحة الوطن، وسلطة الدولة في تقلّص مُخيف؟ وحين يُخطف الأبرياء الآمنون كباراً وصغاراً، ابتزازاً للمال كفدية؟”
بعد كل هذا لا حاجة للكلام أو للسؤال؟

غسان حجار

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s