هل أنا كافر؟

عاتب أنا على الروح القدس الذي يعمل في الكنيسة من دون أن يضع كل طاقاته وامكاناته فيها. كأنه، من فرط الحرية والمحبة، ترك لعالمنا أن يمضي في الوحول القاتلة، وفي الخطيئة المميتة وفق وصف الكنيسة للارتكابات الكبرى.
مرّ أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين بلقاءات وصلوات فولكلورية لا تقدم ولا تؤخر، لأن المشاركين فيها أصلاً هم من ذوي الميول المسكونية. وحال تلك اللقاءات كحال مؤتمرات الحوار الاسلامي- المسيحي في لبنان التي على مدى 30 عاماً لم تبلغ المناطق، الساخنة أحياناً، والمختلطة بالتأكيد، في البقاع والشمال والجنوب، بل اكتفت بلقاءات ونداءات ومواثيق من البريستول والكومودور، وأحياناً كثيرة من ايانابا في قبرص.
الموضوع الأهم إشارات الوحدة ، أي التقارب بين الناس، وإزالة الفروق غير الجوهرية. وغالباً ما نتشارك الصلوات والقداس، ونختلف في عبارات بالصلاة التي علمنا اياها المسيح “الأبانا”. لكل كنيسة ترجمتها الخاصة من الآرامية والسريانية واليونانية. “اغفر لنا خطايانا” أو “اترك لنا ما علينا”، لا أعلم ما الذي يمنع الاتفاق على صيغة واحدة تسهل على المؤمنين حياتهم. ثم هل ان الروح القدس ناطق باسم الأنبياء فقط، أو باسم الأنبياء والرسل؟ العلم عند الله أكيد، لكننا لن نجد جواباً عندنا، ما دام هذا الموضوع من الورائيات، تماماً كالروح المتجسد من الآب فقط، أو من الآب والابن.لا حوار ممكنا بهذه المواضيع، وحلها يكون باتفاق الكنائس المحلية على صيغة واحدة. والجدل حولها عقيم لأن أحداً غير قادر على تأكيد وجهة نظره في الموضوع.
ونصل الى المعضلة الكبرى، خصوصاً ان الكاثوليك بدأوا صيامهم، ويحتاج الأرثوذكسي الى نحو شهر للحاق بهم. وبذلك يكون الفارق في العيد نحو 40 يوماً. وهذا أمر ليس طريفاً، بل مضحكا ومبكيا في الوقت عينه. أمر يقوم على تواريخ كلها غير أكيدة وغير صحيحة. وترانا في كل مرة نعلَق باستهزاء على المسلمين لأن الفارق في العيد يكون يوماً كاملاً. اذاً نحن نرى القشة في عين الآخرين، ولا نرى الخشبة في عيوننا.
قبلت الكنائس ان تحتفل بالميلاد في 25 كانون  الثاني، وهو تاريخ وثني قد لا تكون له علاقة بميلاد السيد، لكنها لم ترتضِ الاتفاق على الفصح. انها حسابات الفلك والشمس والقمر، تماماً مثل الأبراج، هذا ينتظر القمر بدراً، وذاك لا يسبق فصح اليهود، وثالث لا يكتمل بدره الا بعد أيام بما ان الكرة الأرضية متحركة، ولا ليل ولا نهار ثابتين على وجه المعمورة!
عيد الفصح في شرقنا، وهو دليل الى أن الارث، وان سيئا، أقوى من العقل. يبرر بعض رجال الدين عدم توحيد  العيد بانه يجب الا يسبق الوحدة الكاملة، وهو أحد مظاهرها، لا العكس. لكن أحداً منهم لم يشرح لنا ما الضرر في العكس، ما دمنا لا نشعر بفارق حقيقي في أوساطنا.
نحن نعيش الوحدة في ما بيننا. فأنا وغيري كثيرون، نشارك في القداس وفق الطقس البيزنطي، أو الماروني- السرياني، أو اللاتيني، وحتى في صلاة الانجيليين، ونتناول القربان المقدس في كل كنيسة، لأننا مؤمنون بتقديسها، الا اذا قرر أحدهم أن يحجبها عنا، لأننا لسنا في شراكة كاملة كما يرددون.
وأذكر ان ابن عمي، وهو من مذهب مسيحي مختلف، دعاني الى حمل ابنه في المعمودية، ومنحني شرف أن أكون عرابه، لكن أحد الكهنة رفض وقال ان الأمر ممنوع عليَّ لأني أشارك في سر المعمودية، والأسرار لا يمكن أن نتشاركها ما دمنا لم ندخل في الوحدة الكاملة. وسألته: ” هل أنا كافر وملحد يا أبونا؟ ألا أنتمي الى كنيسة أخت وشقيقة؟ ألا يقوم ايماني على ما تؤمن به أنت؟”.
ولما أصرّ على رفضه، انتقلنا الى أبرشية أخرى، فوافق كاهن آخر وحملت الصبي، وأنا اليوم عرابه، وأنا معه ومع أهله في وحدة ايمان، وفي وحدة مصير، وتباً لهم لأنهم يفرقوننا وهم يعلمون ما يفعلون.
القيمة الكبرى هي المحبة،وتقريب الناس بعضهم من بعض محبة. اما إبعادهم والتركيز على ما يفرّقهم، فهما النقص في المحبة. لا، أنا لستُ كافراً.

غسان حجار

This entry was posted in Uncategorized and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s