رفض الزواج المدني ليس تخلفاً لكن القبول به حالة تقدمية

تابعت قبل أيام عبر “الفايسبوك” نقاشاً حاداً بين مؤيدي الزواج المدني الاختياري ورافضيه. وذهب النقاش الى غير محله الصحيح، اذ صار المؤيدون يتهمون الآخرين بالتخلف، والرافضين المتمسكين بالزواج الديني يفاخرون بتخلفهم حيال ما سموه الكفار. والحقيقة ان الطرفين أخطأا في الطرح، لأن عدم القبول بالزواج المدني الاختياري هو أيضاً حرية (كما القبول به) وهو خيار، وهو التزام ديني يستوجب الاحترام والتقدير ما دام نابعاً من اقتناع، وايمان، لا من مصالح آنية. وعلى العلماني، الذي يصنف نفسه متقدماً في الفكر، أن يحترم حرية الآخر في معتقده الديني، لأن مبدأ الالزام هنا، يحمله الى ديكتاتورية أبشع من ديكتاتوريات الأديان ورجالها.
في المقابل، على المؤمن أن يحترم الآخر غير المؤمن، لأن الله حرية، والله محبة، ومن لا يحب الآخر، ولا يحترم حريته، وانسانيته، لا يكون الله فيه، ولا يكون في قلب الله. فكيف نكون على صورته ونحن لا نعرف الرحمة، والمغفرة، والتسامح، وقبول الآخر، والمحبة لهذا الاخر، كائناً من كان، وأياً يكن معتقده؟ وبعد نسأل هل ان الله ضيّق الى هذا الحد؟ وهل حكم على نصف البشرية تماماً بنار جهنم؟ ماذا نفعل وكيف نتصرف حيال زواج الصينيين مثلاً وهم مليار وأربع مئة مليون نسمة، ومعهم اليابانيون، والهنود؟ ماذا عن البوذيين والهندوس وغيرهم من ابناء الديانات السماوية الذين اختاروا عقود زواج خارج الاطار الديني؟ هل هؤلاء كلهم الى جهنم، وأولادهم أبناء زنى؟
المنطق يفرض علينا التعامل مع الواقع بعقلانية أوجدها الله لنا عندما ميزنا عن الحيوانات والجماد، ودعانا الى أن نتعارف وان نحب بعضنا بعضاً، لا أن نتقاتل، فنقتُل ونُقتل.
أذكر أن زميلاً يسارياً وعلمانياً كان يزايد  في علمانيته، وهو مسلم وفق الهوية، وقد عملنا معاً، وأراد ذات مرة أمام مجموعة من الناس تأكيد علمانيته فشتم نبي المسلمين. وبما اني مؤمن، فقد دافعت عن النبي العربي، لا لشهامة فقط ، بل لأني اذا سمحت بهذا الفعل، عليَّ ان أسمعه تالياً يشتم السيد المسيح وهذا ما لا أقبله. وأذكر  اني قلت له ان علمانيته تجاوزت حدودها اللائقة والتي تحترم مشاعر الآخرين وايمانهم. وأنا أفضل عدم سماع هذه الشتائم، لأني لا أقبلها للأرضيات “المدنسة” فكيف لما نعتبره “مقدساً”، ويتعلق بايماننا ومعتقداتنا؟
هكذا يمكن التحاور انطلاقاً من الاحترام المتبادل، وهكذا يمكن القول إن رفض الزواج المدني الاختياري ليس تخلفاً. أما رفض حق الاقتراح للغير، ورفض هذا الغير فهو التخلف بعينه. واذا أمكن اعتبار المدافعين عن الزواج المدني حالة متقدمة في مجتمعاتنا، فإن رفض هؤلاء للدين والمتدينين – لا الاصوليين المتطرفين – يصير تخلفاً لأنه يشبه الحالة الأولى لكن في الاتجاه المعاكس.

هوامش: 
¶ تحدث أحد المشايخ عن الزواج المدني فقال إن مصير الاقتراح هو الهاوية بعدما رفضه مفتي الجمهورية. صحيح ان للمفتي موقعه ومكانته، لكننا في الواقع لا نخضع لسلطته، فلماذا يحاول أن يشملنا برعايته؟ ألَيس الأفضل أن يحصر صلاحياته بالطائفة التي ولته عليها؟ (طبعاً قبل أن يتراجع نصف الطائفة وأكثر عن هذه الوكالة).
¶ في برنامج “الأسبوع في ساعة” الأحد الفائت عبر “الجديد”، أخطأ الأب عبده أبو كسم مرات عدة في عرض الموقف المسيحي، خصوصاً عندما اعتبر ان المسيح رفع الزواج الى مرتبة السر. والحقيقة ان الزواج هو أحد أسرار الكنيسة التي ابتدعت في زمن لاحق. اما منعه الزميل يحيى جابر من الكلام عن المحاكم الكنسية- وتسمى خطأ المحاكم الروحية- فكان جيداً اذ تحتاج هذه المحاكم الى حلقات لكشف ملابساتها ولا يمكن المرور عليها مرور الكرام.
¶ في خلاصة البرنامج المذكور، أكد الشيخان السني والشيعي انهما لا يعترضان ولا يكفّران من يعقد زواجاً مدنياً، وانما يحذرانه من العواقب اللاحقة في الارث والطلاق وغيرهما. مما يعني انهما ردا على سماحة المفتي بما يناقض أقواله ومواقفه الحماسية. وهذا بذاته تنوع وتعدد يؤديان الى عقلنة الفكر الديني.

غسان حجار

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s