الاضراب والإهمال أخّرا افادتي فلماذا الاستعجال… 500$ من يدفعها؟

shutterstock_74261416-640

“إيه خديا”.
“ليك بليز ما تتمسخر، أنا صرلي مقدمي على الإفادة أكتر من شهرين، ومش ذنبي إتحمل إضراباتكن ولا أخطاءكن ولا إهمالكن…”.
ينظر وليد، الموظف في الجامعة اللبنانية، إليّ ولا أفهم إن كانت نظرة استخفاف أم توسل أم سذاجة أم لا اكتراث. لا افهم نظرته، ولكن أتابع بصوت عال: “قلتلي من الاسبوع الماضي تعي الاثنين اليوم الثلاثاء وبعدك مش مخلّصلي ياها… طيب شو يعني؟”.
يسكت الموجودون، يتواطأون مع صوتي، ويتفرجون أعيد ترتيب المشهد: “يا خيي من شهرين جيت قدمت طلب الافادة طلع فيها خطأ، كان يوم جمعة قلتولي رجعي الاتنين، أنا ما رجعت من شهرين، رجعت الأسبوع الماضي اكتشفت إنو مش داقرينا ولا مصححين الخطأ فيها وناسيين إنها بالجارور من شهرين.. حكيت انا شي؟ أبداً وحضرتك قلتلي تعي الاتنين.. طيب اليوم التلاتا ليه بعدك مش مخلصلي الإفادة اللي لازم تكون خالصة من شهرين؟ كيف بعد يومين للتسجيل إيمتن لازم تخلص؟”
لست واثقة إن كان ذهولاً أم “تطنيش” ولكنه لم يحاول الدفاع عن نفسه، ربما أن اندفاع كلامي كان أسرع من فكره. زاد المشهد دراماتيكية عندما ازحت نظارتي الشمسية عن وجهي وقلت، ونظراته تتابع العمل وعينيّ: ما بفهم شو صار ولا شو كان أنا هلأ بدي إفادتي.. هلأ بدك تطلعلي ياها.. كيف؟ ليه ما بعرف؟ وتوقفت كلياً عن الكلام. فتابعت الأيدي المنتظرة والعيون المنتظرة والمستقبل المنتظر إكمال معاملاتهم، وفيما هو يخرج من الباب الضيق في غرفة وليد الضيقة ولا تفصله عن وجهي الا مسافة ضيقة قال شاب: “ليكي إذا ما مشي الحال تعني عنا على مجلس الفرع”. قلت باستقواء أهوج أو غبي أو محلي عربي وعالمي: “هو ما رح يمشي وانا مش رايحة على مطرح بدو يعطيني افادتي هلأ. “وانتظرت أمام باب وليد اللاهي ببقية العاملات عني، والذي لم يحرك ساكناً ولا عاد نظر صوبي.. انتظرت ثم طال انتظاري فانسحبت وسألت احدى البنات الموجودات في مجلس الفرع “وين ممكن قدم شكوى بموظف؟”. ابتسمت باستغراب وقبول وأشارت الى امانة السر.
“بونجور” قلت، مادة جسمي الى الأمام لأتأكد ان كان الخيال المرتسم على زجاج الباب موجوداً أم ارتسم هناك صباحاً ككل يوم واختفى ككل ما احتجنا اليه..
“أهلاً” قال الخيال، من دون أن ينظر نحوي.
“بدي قدم شكوى بالموظف هونيك”.
“وين؟” واسترعى كلامي سمع الخيال وعينيه، فنظر وأنصت.. قلت: “من شهرين قدمت طلب إفادة للماستر 1، وطلع فيها غلط وحضرتك يومتها كنت موجودة وقلتيلي معن للموظفين هونيك وكان يوم تنين رجعي يوم الخميس. بس انا ما رجعت يوم الخميس لأن بابا عمل عملية والتهيت وهالكي من شهرين لفضيت ارجع الاتنين الماضي واكتشفت انو الموظف مش مطلع عليها ولا مصحح الخطأ.. المهمّ قلي تعي الاتنين جيت انا قلت لأعطي فرصة واجي ولاقيها خالصة على الأكيد بجي اليوم، بلاقي انو كمان مش خالصة الإفادة.. طيب له؟ قلي اضراب.. وهنا أمسك الخيال بطرف الكلمة وقال: “روقي شوي الموظفين كان عندن اضراب تنين وتلاتا واربعا وخميس وجمعة…
“بس اليوم التنين…”.
“طيب ليه عم بتعلي صوتك.. وتطلعي بالعالي؟ بلا قلة تهذيب.
“لا.. لو سمحتي… بشو قللت تهذيب معك؟ عطيني كلمة واحدة قلت غلط… بالعالي؟ لي شو عم قول؟ “طيب ليكي.. انا ما عندي وقت ضيعوا.. طلعي عند المدير قدمي الشكوى..
لملمت غضبي وسمعت الصوت المرتسم خيالاً على الباب الزجاجي يقول ماداً يده بحركة لامبالية تؤكد انه لا يوصل الشكوى الى المدير “أو اكتبي الشكوى إلي بدك ياها وانا بوصلا للمدير”. مشيت في أورقة الجامعة اللبنانية أبحث عن مدير وكأنني تهت عن المكان فعدت وصعدت الأدراج عينها مرتين. طرقت الباب وجلست على طاولة قريبة أعبث برجليّ انتظاراً ليفتح باب ويكون كلام وشكوى.. “بونجور دكتور” قلت وأنا اقفل لأصافح استاذي ومدير الفرع.  “تفضلي”. “حضرتك مشغول؟”
“إي بس قولي شو بدك”
“بدي قدم شكوى بالموظف هونيك” أشرت بيدي ففهم أين.
قال: “شو القصة؟ وقد انتعشت صورتي في ذاكرته، أو هكذا تراءى لي، وهو يتفحصني متذكراً. قلت: “صرلي شهرين مقدمة إفادة علامات ماستر 1، جيت الاتنين الماضي قلي تعي هيدا الاتنين رجعت اليوم ولاقيتو مش مخلصلي ياها وبقلي إيه خديا.
“طيب روحي وقوليلة يجي معك”
“المدير بدو ياك.. قلي روحي قوليلو يجي معك..”هز رأسه، اشعل سيجارة، تلكأ يحادث فتاتين، مشى صعد الدرج ووصلنا، ووقف بباب المدير وقال بظفر وهو يتقدمني مشيراً بيده: “تعي مش بدك تفوتي عند المدير؟”.
وهناك الخيال كان مرتسماً في غرفة المدير الذي استعجل الخطى نحونا وبتنا الاربعة نقف بين بابي المكتب الداخلي والخارجي… قلت ويدي تلمس الخيال: اعذريني.
صاح المدير: بدكش تسمعي؟
“امبلا… امبلا”.
“فاتت عم تخانقني… وهياها مش عم تخلي المدام تحكي. فاتت وشالت العوينات وقالت هلأ بدي الافادة…”.
“اي بس ما من شهرين ومن اسبوع وانت واعدني وحضرتك قلتي فكوا الاضراب الجمعة. واليوم الثلاثاء.
“اوكي بدي اطلع بالآخر انا الغلطانة بحقكن بالجامعة اللبنانية لأني مقدمة افادة من شهرين وبعدا ما طلعت… اوكي انا بعتذر منكن… منيح؟”.
“علي… تعا روح طلعلي هالافادة، شو اسمك؟
“وداد طه”.
“رقمك؟” 21620
“طيب روحي مع علي” “شكراً دكتور”.
اشار علي ان انتظره فلا داعي لأرافقه فقال الدكتور: “تعالي يا وداد قعدي… شو بتشربي؟
شكرته وكان وليد لا يزال واقفاً ساهما، ومنتظراً أن يقول له وهو يحني عينيه ورأسه: “دكتور انت بتعرفني ما بقصر كل الافادات بطلعا… بس هي بدها تخانقني…
نظرت بنصف استهزاء او فهم لما يحصل وكيف يحصل… “بتصور شي ومرق يا استاذ وليد… انقضت. قال الدكتور: “هي وداد مشكلجية شوي” “لا انا كان لازم اعمل المشكلة من شهرين”. برحيل وليد انتعشت نظرة المدير وبسمته وقال ممازحاً: “إلي كنت بدك تضربيني..”.
“أوكي فيني أتخيل… وبعدين قالتلي إنو أنا قليلة تهذيب… وحياة الله امبلا قالتلي وأصلاً في شاهد على الكلام… ولا لأنها موظفة وأنا طالبة؟ دخل الغرفة الملأى بأساتذة علموني وتركني وحدي مع دموع أكابدها وخوف وقلق وأحلام وقهر، خرج بعد دقائق شهدت مرور أحدهم وتفحصه وجهي ورجلاي ونهديّ جيداً في طريق خروجه ودخوله من والى غرفة المدير، عاد وقال: شو بتروحي ورا علي ولا منضيفك شي؟”. قلت: شكراً. أعاد الكرة وقال: “فوتي عندي بتشربي قهوة أو شاي أو نسكافيه؟”. بدأ بعض الاساتذة يخرجون من غرفة المدير الضاجة بالأهلا وسهلا والضحك، وشهد بعضهم لي أثناء خروجهم من عنده وهو يقول مداعباً الجميع: “صايرة تعمل مشاكل…
لا وداد عاقلة ما بتعملا… شو دكتورة أنا بعمل مشاكل؟ لا عسلامتا… فيما قال آخر إيه مش المدير قال يعني إيه.
رسمت علامة شكر بالهندية وأنا أخشى – ولا أدري لماذا أخشى – دعواته لشرب النسكافيه، وقفت وأسرعت أفتش عن علي فإذا هو بالباب يحمل إفادتي، وإذا بالمدير والخيال يجيبان عن بحثه عنهما فوراً… وإذا بالتوقيعين وإفادتي بين يدي خلال دقائق وإذا فاجعة أخرى من فواجع الجامعة اللبنانية تكتب، وإذا ابي أمامي لا يعرض عليّ رسوم التسجيل ولا أطلبها منه، وإذا بي بدون عمل، وإذا السنة الجامعية أبعد من شهرين بمستقبل باهت الملامح، وإذا غضبي كذب، وإذا الاصدقاء لا شيء ولا أحد موجوداً وإذا الأخوة قليلو الحيلة والحال، وإذا العرب كلهم أغبياء، وإذا العالم كله مدين لأحد غير مرئي، وإذا أنا لا أنا ولا أحد ولا حول ولا قيمة ولا غد. وإذا 500 دولار على الفلسطيني أن يدفعها رسوماً للجامعة اللبنانية أكبر من قدرة العالم كله، فلماذا الغضب ولماذا الصوت ولماذا استعجال الإفادة، أم أنه افتراء على وليد فقط؟

وداد طه

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s