مساكين رجال الدين

في الغرب، لم يعد رجال الدين يتمتعون بقدر واسع من السلطة، على ما هي الحال في لبنان ودنيا العرب، وكل دول العالم الثالث، بل العاشر، اذ كلما تطورت المجتمعات، لا بالمال النفطي، بل بالثقافة والانفتاح، تراجع دور الدين، بل لنقل، وفق ما أراه، زاد إحكام العقل  في الحياة، على حساب العواطف والمشاعر الجياشة التي يمكن رجال الدين التلاعب بها.
يقال ان الثورة الفرنسية تمكنت من فصل الدين عن الدولة، وهذا ليس صحيحاً تماماً، إذ ان الدين بما هو قيم حياتية وانسانية لا يمكن أن ينفصل عن المجتمعات، وعن التشريعات، وعن حياة الناس في كل زمان ومكان. فالقتل ليس مشروعاً ولن يكون. والسرقة ليست حلالاً الا لدى عدد من شواذ الفكر والمعتقد، ومن أصحاب الايمان المشوه الذين يمكن أن يفتوا بسرقة الآخر، كما كان يحصل خلال الحرب. و أذكر أن رجل دين لبنانياً أفتى بجواز سرقة أموال من هم من توجه سياسي مختلف، لكن عدالة السماء كانت أقوى، إذ تمّ قتله بطريقة شنيعة خلال اشتباكات داخل البيت الواحد وألقي به الى الشارع بين الأقدام.
اليوم الواقع مختلف. ثمة تواطؤ ضمني ما بين رجال الدين في لبنان، لعدم إضعاف سلطتهم، ولعدم إضاعة الفرص منهم. كلهم يتعاملون مع الأمر الواقع،في لبنان أو في الخارج. يستقبل المفتون والبطاركة، رجال دين ودنيا ممن تزوجوا في الخارج وأنجبوا، ولا يسألونهم عن عقود الزواج. والمحظي من الضيوف من يملك المال الكثير، إذ له امتيازات واستثناءات لا يحصل عليها الفقراء. والأنكى أن يخضع رجال الدين لسلطة هؤلاء لأنهم يملكون مالاً وفيراً، هو في غالبه نتاج التهريب والتزوير وتبييض الأموال، أي أنه مال غير حلال، لكن أحداً لا يسأل عن مصدره.

وأذكر مرة أني كنت مشاركاً في مؤتمر في باريس، وكان الحديث عن القيم مسيطراً. وكان المشاركون صادقين في ما ذهبوا اليه باقتناع كلي. لكني تحدثت عن واقع نعيشه في عالمنا مختلف تماماً. وأخبرتهم انه لولا “المال الحرام” لما قامت مساجد وكنائس، ولما ارتفع بنيان المياتم والمؤسسات الاجتماعية، التي غالباً ما يتبرّع بها كبار الأغنياء ممن يملكون المليارات، لا الملايين فقط، وبعضهم، بل أكثرهم، انطلق من واقع فقير، لكنه جنى الثروات في خمس أو عشر سنين بطريقة “قانونية وشرعية” طبعاً.
وعندما يعود هؤلاء الى مسقطهم يتسابق رجال الدين والدنيا الى زيارتهم واستقبالهم وتنظيم الجولات لهم على المشاريع الخيرية ليتبرعوا بجزء مما “جاد به الله عليهم”. لا يسأل رجال الدين عن مصدر المال، وما اذا كان الله جاد به، أم على حساب قيم الله ودياناته.
اليوم نواجه في ملف الزواج المدني الاختياري، وأشدد على كلمة اختياري، معضلة جديدة، اذ يمضي رجال الدين في تكفير من يعتمد العقد المدني، ويظهره في حالة زنى، وانجابه غير شرعي، مما يجعل الناس البسطاء في حيرة من أمرهم، حتى قالت سيدة عبر أثير احدى الاذاعات “انها تصلي ليل نهار ليهدي الله ابنها المقيم في فرنسا لعقد زواج ديني فيشرع وجود ابنه، وانها تشفق على الصبي عندما تراه”. حرام تلك السيدة لا لطريقة تفكيرها وهي طريقة تقليدية عفوية، بل للحاجز الذي تقيمه مع حفيدها، والذي يمنعها من الارتياح اليه، كأنه لقيط لا شرعية تظلله. انه قلب أم ينزف، لا لوضع مريب فعلاً، بل لحالة نفسية خلقها رجال في عالم ذكوري يسيطر فيه رجال الدين ويجهدون على الدوام للمحافظة على سلطتهم.
المنفعة، ثم المنفعة، والخوف على سلطة ومصالح تدفع برجال الدين – ودائماً تحت شعار الايمان والمقدسات – الى رفض حرية الآخرين في خياراتهم. ولا أعلم ما اذا كان رجال الدين أنفسهم يقوون على رفض أوضاع قائمة، وشاذة، في دول مرجعية لهم، إن دينياً أو ادارياً، أو مالياً، أو سياسياً. لكنهم جميعاً يستقوون على الدولة اللبنانية الضعيفة أمام الطوائف.
مساكين رجال الدين في معركتهم، الرابحة حتى تاريخه، والخاسرة مع الزمن ومع التطور التاريخي للشعوب.
مساكين لأن الزمن توقف عند بعضهم أحياناً بالفكر، وأحياناً بالقول، وأحياناً كثيرة بالشكل والملبس والتصرف الذي يبلغ حدّ التمثيل. تحتاج المؤسسات الدينية الى حركات اصلاحية تتجاوز ما ذهب اليه الانجيليون (البروتستانت) يوماً، لأن هؤلاء بعدما فقدوا المركزية الإدارية، دخلوا في صراعات وفي سلوكيات روتينية وتقليدية ومصالح تشبه الى حدّ كبير كل المؤسسات الأخرى.
اليوم لن يكون هناك زواج مدني في لبنان، فموقف مفتي الجمهورية، المحتاج الى الضوء، والى الخروج من شرنقته، بما فيها من ملفات غير ناصعة، أدّى حتماً الى عرقلة المشروع. لكن المهم في ما ذهب اليه الشباب من عصف فكري وذهني وتوعوي لا يمنع من اتمام العقد، وإن في قبرص أو غيرها.
المفتي وخلفه كثيرون، ربحوا جولة، أو سيربحونها حتماً، إذ من الصعب تجاهل موقفهم، لكنهم لم يربحوا المعركة، وتكفي متابعة البيانات وما يُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، للدلالة الى نمط جديد في التفكير، ورغبة في التغيير، سيطيحان حتماً كل الأفكار الجامدة.
مساكين بعض رجال الدين عندما يقفون ضد مسار الشعوب في تطورها، وهم سيكتشفون حتماً قدرهم لدى الناس بعد تقاعدهم، لا وهم في السلطة عندما تكون الحاجة للافادة من مواقعهم كبيرة.
مساكين هم، ومساكين نحن في حالنا معهم!.

غسان حجار

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s