التكنولوجيا في حياتي: الحصار الكلي

cover-640 (1)

هاتفي هو عالمي الجديد. هو التعبير عن التطور التكنولوجي الذي أعيشه.
فهو اضافة الى كونه هاتفاً يربطني بالعالم من دون حدود. أو قيود الا الفاتورة الشهرية الباهظة عندما تتفلت قيودي في الاتصال الخارجي، صار مدخلي الى كل العواصم.
فمن خلاله، وعبر شاشته الكبيرة، ادخل عالم الانترنت، أقرأ الصحف والمواقع الالكترونية الممنوعة، وأحادث الاصدقاء والاهل في رسائل نصية صارت اشكال انواع.
والأهم انه يدخلني الى عالمي المفضل في الـFacebook وtwitter رفيقيَّ الدائمين، أما للتواصل مع الآخرين، أو لتفجير كبتي في التعبير عما يختلج صدري من افكار وطروحات وربما من افكار ثورية ترفض ما هو قائم في مجتمعي، ومدينتي، وكنيستي، وحزبي السياسي، والأبرز عائلتي الصغيرة التي أفضل عدم التصادم معها، فألجأ الى التعبير الحر من دون تسميات عبر “فايسبوك” و”تويتر”.
والامرّ من هذا كله حشريتي الكبيرة في ما خص أخبار الآخرين، والتي لا ترتوي الا بمشاهدة صور الاصدقاء والأعداء ايضاً، وبمتابعة أخبارهم، وكم من مرة تمنيت لو نشرت تعليقات سخرية على صورهم، لكني غالباً ما أضبط نفسي عن ذلك حتى لا تتحول علاقاتنا تصادمية، فأخسر معظم الذين أعرفهم.
وأما التعارف معهم، ومعرفتهم بشكل جيد، فهما معضلة قائمة في ذاتها، إذ ان كثيرين يرسلون لي طلب الصداقة من دون أن أعرف هويتهم، وما صلتهم بي، لكني حرصاً على صورتي الاجتماعية أقبلهم في عداد الاصدقاء. وقد بلغ عدد أصدقائي الوهميين نحو 1500.
لا أهتم الا لنحو 200 منهم لأني أعرفهم جيداً.
الآخرون أعرف بعضهم في الجامعة أو في الحي.
وثمة من لا أعرفهم، واكتشف أحياناً أن لديهم أفكار ونوازع غريبة، فألجأ الى شطبهم من دون أن أخشى زعلهم، لأنهم لم يكونوا راضين عليَّ يوماً.
لكن المزعج في أمر التكنولوجيا هو الحصار. فأنا لم أعد حراً في حياتي.
الهاتف يرافقني أينما ذهبت، وإذا ما أردت اقفاله يتهمني كل الاصدقاء بأني أشاهد الارقام أو أحصل على تقرير بالمتصلين أثناء اقفال الجهاز. وإذا ما فتحت Facebook يلاحقني الجميع، والـWats app أسوأ لأنه يظهر بوضوح مواعيد اطلالاتي عبر الهاتف، وما عدت استطيع أن أكذب والتهرب. حتى ان صديقي بات يحدد مكاني، ولم يعد بإمكاني أن اقول له اني في الجبل، إذ يحدد موقعي تماماً، وبعد أن يؤنبني لكذبي، يضيف أنت في البيت في بيروت، وأنا آت اليك، وقد حاولت مراراً أن أخفي نفسي، لكن معظم التطبيقات صارت تطلب تحديد الموقع أو تعجز عن تشغيلها.
لم أعد أعرف كيف أهرب من الناس، من التكنولوجيا، من التطبيقات، من الهاتف، صرت أفتش عن وحدتي، عن حريتي، عن نفسي الهاربة من ضجيج التكنولوجيا، وصرت أحسد جدي الذي لم يواكب هذا العالم الجديد والغريب عنه، انه حصار لم أعد أقوى على تحمله. فماذا أفعل؟

غدي حداد

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s