“منع التدخين” حبر على ورق؟ والنواب لحسوا تواقيعهم؟

NS_2012_AU_29_57-640

خلال العقد الاخير، حققت الدول المتقدمة خطوات متقدمة على طريق محاصرة آفة التدخين القاتلة وعزل المدخنين شيئا فشيئا حتى وصل بعضها الى فرض قيود على هؤلاء في داخل بيوتهم عبر قوانين تفرض الغرامات على من تثبت مخالفته قانون منع التدخين، حتى في غرف النوم اذا تذمر احد افراد العائلة.
في مواكبة سريعة للمسار الذي سلكته هذه الدول يتبين انها عملت  بداية  على خلق “فضاءات بلا تدخين”، ثم توسعت في خططها “الهجومية” على المدخنين وصولاً الى تقييدهم ومحاصرتهم على قاعدة طريق الخطوة خطوة لانهاء التدخين. هكذا عملت بداية على منع التدخين في كل الاماكن العامة كوسائل النقل العام، وخصصت اماكن في المرافق العامة كالمطارت والمتاجر الكبرى والفنادق والمباني الحكومية، ثم وصل المنع الى المقاهي والمطاعم، وخصصت مطارح “مرذولة” للمدخنين أقل ما يقال فيها انها لا تليق، إذ ان مجرد الدخول اليها بات محل امتهان واستخفاف بالذات مما يبدو انه “سياسة” متعمدة من اصحاب الشأن.
هذا ناهيك عن مشاهد سحب الدخان الكثيفة المتصاعدة منها الى الخارج، اضافة الى الروائح المنبعثة التي تثير الغثيان. وهذه كلها عوامل ادت الى تقلص اعداد روادها شيئا فشيئا، وجعلت الكثير من مدمني التدخين يؤثرون الابتعاد من تلك الفضاءات “غير اللائقة” وعن التدخين كخيار حاسم.
في لبنان استمر المد والجذر حول التدخين لاعوام واعوام، حتى خرج مجلس النواب بقانون “الحد الادنى” لمحاصرة التدخين في المقاهي والاماكن العامة المغلقة. لكن هذا القانون سار كالسلحفاة ولا تزال تعترضه عقبات كثيرة. فقد صدر القانون في 2011/9/3، ولم يأتٍ احد على ذكر تطبيقه الا بعد مرور سنة كاملة على صدوره، وبعد مشاحنات ومشادات كلامية وصلت الى حد تنظيم التظاهرات المناوئة لتطبيقه، تحت ذريعة مساسه بـ”قدسية” القطاع السياحي في البلاد. وبعد مرور عام كامل في 2012/9/3 اخذ القانون طريقه الى التطبيق، لكنه رغم ذلك ما يزال “قانونا على ورق”.
أين اصبح تنفيذ قانون منع التدخين أو الحد منه؟ وما هي العوائق التي تعترضه؟ ولماذا، وعلى ماذا يختلف المعنيون بتطبيقه؟ ومن هو المسؤول الفعلي عن فشل التطبيق، او حتى عن التساهل فيه؟ وهل تراجع النواب عن تواقيعهم؟
تطبيق بطريقة سلسة ومرنة
وزير الداخلية والبلديات مروان شربل قال: “ان القانون يطبق على كل الاراضي اللبنانية، وان التطبيق هو من واجبات وزير السياحة بالدرجة الاولى، ووزارات الاقتصاد والسياحة والصحة هي المنوطة بالتنفيذ، وعندما تحتاج الى مؤازرة تؤمنها قوى الامن الداخلي فورا وفق آليات متفق عليها، ونحن نلبيها بشكل دائم”.
واذ شدد شربل على ان “القانون ينفذ في كل لبنان”، قال :”ليس في امكان القوى الامنية ان تبقى داخل المطاعم للمراقبة، والتنفيذ يتم بطريقة سلسة ومرنة “شوي شوي” حتى يعتاد الناس على عدم التدخين في الاماكن العامة ويعتاد اصحاب المؤسسات والمطاعم على تعويض خسائرهم الناتجة من منع التدخين من موارد اخرى”.
واكد ان هناك محاضر تنظم في حق المخالفين وليس بوسع احد ان لا ينفذ القانون.
وقال: “نطبق القانون بالليونة الممكنة، ونحن نشاهد الشرطة السياحية وهي تدخل  المطاعم وتنظم المحاضر، وهذا عملهم ونحن نؤازرهم عند الحاجة وفق آليات لأن اعدادهم ما زالت قليلة، وبدورنا نرسل دوريات عسكرية ومدنية الى بعض المطاعم والمؤسسات لرصد عملية سير تطبيق القانون”.

لا يريدون تنفيذه

وزير السياحة فادي عبود كشف  لـ”نهار الشباب”: “ان القانون لا ينفذ كما يجب، وهذا ما بحثناه منذ اليوم الأول، والسبب بسيط جدا فاذا كان تنفيذه ملقى على عاتق وزارة السياحة فان الوزارة بحاجة الى عناصر الشرطة السياحية لتنفيذه، ويعلم الجميع ولا سيما الادارة، ان هذه العناصر غير موجودة اصلا، ولا اخفيك ان كل عديد الشرطة السياحية في لبنان هو 70 عنصرا. والمعروف انك اذا كنت تريد ان تضيع شيئا وتجعله غير قابل للتنفيذ  تعدد المسؤولين عن تنفيذه لتضيع بينهم المسؤوليات، والواضح ان المسؤولين عن تنفيذ هذا القرار جهات عدة هي وزارات الصحة ومديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد وقوى الامن الداخلي والشرطة السياحية، والهدف من ذلك برأيي هو اضاعة المسؤوليات بين كل هؤلاء وعدم حصرها لتحديدها، وبدل تقسيم المهمات وتأمين العناصر لمراقبة الاماكن العامة مراقبة جدية وقابلة للمحاسبة، اصبح الجميع مسؤولاً عن كل شيء ولا احد يُسأل عن شيء، والشرطة السياحية يتم توجيهها من قوى الامن الداخلي ووزارة الداخلية وهذا مخالف، واذا استمر الموضوع على هذا المنوال فلا دور للشرطة السياحية ولا لزوم لها، اذ كيف يكون دور ل 70 عنصرا بين 30 الفا هم عديد قوى الامن الداخلي؟
وقال “ارى ان التعامل مع الامر يتم وكأن هذا القانون لم يوجد لينفذ.
كما ارى ان التركيز الان يقتصر على نحو 100 محل ومؤسسة داخل بيروت وفي محيطها، بينما يتم التغاضي عن 4000 مؤسسة ومحلا خارج بيروت، وهو ما يشعرني انني كوزير للسياحة لا اتعامل بعدالة مع كل المؤسسات السياحية”.

الجميع متجاوب

وزير الاقتصاد نقولا نحاس قال :”نحن ننفذ القانون بحذافيره ونجد كل تجاوب من المعنيين، وان التقارير التي تصلني في هذا الصدد تشير الى ان هناك تجاوبا من الجميع، ولكن اصحاب بعض المقاهي التي تقدم النارجيلة يبدون تذمرا من التطبيق ونحن نحرر المحاضر بحق المخالفين”.

الفراغ في السلطة هو المسؤول  

رئيس لجنة الصحة النيابية عاطف مجدلاني قال:”في المبدأ ان مهمة مجلس النواب هي التشريع والمراقبة والمحاسبة، اما التنفيذ فهو من مهمات الحكومة”.
اضاف: “تصلني انباء عن ان مواطنين يطلبون الخط الساخن المخصص للابلاغ عن المخالفات التي تقع في هذا الاطار، الا ان احدا من الجهات المناط بها تنفيذ القانون لا يحضر الى المكان المشكو  ولا يتعامل مع الامر على انه جدي، مع ان المفروض على قوى الامن الداخلي والشرطة السياحية ومصلحة حماية المستهلك واجهزة التفتيش في وزارة الصحة ان تحضر فور الابلاغ عن مخالفة لتسطر محضر ضبط فيها.
لذلك انا أسأل الوزارات المعنية وهي الداخلية والاقتصاد والسياحة والصحة: لماذا تستسهلون الامر؟”
ويضيف :”انا ضد هذا التساهل لكنني لا استغربه لان الحكومة غائبة، وهناك فراغ في السلطة التنفيذية، وهذا ينعكس عدم تنفيذ للقوانين ومنها قانون الحد من التدخين”.

دوريات حتى في الضاحية

مدير مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد فؤاد فليلفل، قال “نحن نسير دوريات مشتركة مع قوى الامن الداخلي على كل الاماكن التي يشتبه ان فيها تدخيناً ومخالفات، بناء لخطط نتحرك بموجبها على كل الاماكن وحتى على اماكن في الضاحية الجنوبية.
وقال منذ 2012/9/3 وحتى الان سيرنا 665 دورية مشتركة، وقد بلغت المحاضر التي نظمناها حتى الان 34 محضر ضبط على الاراضي اللبنانية وجميعها محصورة بالمؤسسات.
وفصل انواع المخالفات على النحو الآتي: ترويج الدخان تتراوح الغرامة فيه ما بين ضعفي و6 اضعاف الحد الادنى للاجور.
وعدم وضع اللاصقات التحذيرية على المؤسسات في شكل ظاهر يرواح بين 20 و60 ضعف الحد الادنى للاجور، وفي حال التكرار تصبح من 40 الى 100 ضعف، والحبس من شهرين الى 12 شهرا.
اما مخالفة التدخين في الاماكن العامة على الاشخاص فهي خُمس الحد الادنى للاجور، وفي حال التكرار تصبح من 10 الى 20 ضعف الحد الادنى، والحبس من شهر الى ستة اشهر.
وقال “لا عوائق تعترض عملنا في اي مكان، والمطلوب ان يساعدنا  المواطنون لان العملية يجب ان تكون مشتركة بين الجميع”.

عباس صالح

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s