اللبنانيون يكتشفون الثلج

لم أفهم ماذا حصل في الأيام القليلة الماضية. تساقط الثلج، وتدنى الى ارتفاع 300 متر. وبلغت كثافته نحو 30 و40 سنتيمتراً في عدد من المناطق، أو ربما أكثر بقليل.
لا أعلم ما اذا كانت الظاهرة غريبة عن لبنان الى هذا الحد، حتى جنّدت LBC كل مراسليها لتخبرنا أن الثلج يتساقط والأمطار دخلت المنازل وحاصرت سكاناً واجتاحت الطرق.
ودفعت معها المحطات الأخرى الى مجاراة الحدث بمبالغة صارت معهودة منذ قررت المؤسسة اللبنانية للارسال معاودة الانطلاق بعد فترة ركود، فاعتمدت على النقل المباشر من كل دسكرة وحي وزاروب، وصنعت نجوماً على طريق المطار وفي الضاحية الجنوبية وفي طرابلس وفي باقي المناطق، ممن وجدوا في الشاشة الصغيرة ضالتهم، ليتفلتوا من عقالهم، ويطلقوا الشتائم والتهديدات يميناً ويساراً، فيسيئون الى صورة لبنان في الداخل والخارج، ويفسدون علاقته بالعالم، وبالرعايا العرب، وبالسياح من كل جنسية.
بالأمس قال لي زميل أن أهله يقطنون في حي السلم، وما تنقله المحطات التفزيونية مبالغ فيه الى حد كبير، إذ أن الكارثة حلّت بمنطقة نهر الغدير حيث ملأ السكان مجرى النهر بالنفايات، بعدما شيّدوا أبنية مخالفة لا تعتمد المواصفات، ولا تبعد من مجرى النهر الذي يفيض منذ زمن بعيد اكثر من سنتيمترات!.
وفي البقاع أذكر أن المياه تغمر قرى وبلدات المرج وغزة والمنصورة وغيرها منذ عشرات السنين، ولا من جديد، ومازال الأهالي يشيدون المساكن من دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة، تماماً كما يفعل جيران نهر الغدير.
لا أريد أن أخفف من حجم الكارثة التي حصلت في غير منطقة، ولا التعمية على معاناة الأهالي، وهم أهلنا وناسنا، ويصيبنا ما يصيبهم على الطرق الغارقة في الوحول والتي تحولت بحيرات، وفي انقطاع الكهرباء والطرق وغيرها، ولكنني في الوقت عينه، آسف لما يجري عبر الاعلام من تعمية لحقائق كثيرة، إذ صارت المزايدة الاعلامية لا تقل عن المزايدة السياسية، وما يدعيه الاعلام من بحث عن الحقائق لتسليط الضوء عليها، صار مناقضاً للحقيقة، ومنصاعاً للسبق الصحافي اللاهث وراء احصاءات غالباً ما تكون نتائجها “ملغومة”.
فالاعلام لم يذكر أن مجرى الغدير ضاق من ستة أمتار الى مترين. ولم يسأل عن السبب؟ ولم يسأل عن سبب الانهيارات على بعض الاوتوسترادات، ولا عن فيضان اللليطاني بعدما ضاقت انفاسه من كثرة النفايات والحيوانات النافقة وغيرها.
صحيح ان الاعلام يجب ان يكون صوت المواطن، لا صوت الدولة والسلطة على المواطن، لكن من الضروري ايضاً إفهام اللبناني ان عليه واجبات في مقابل حقوقه، وان الدولة ليست جسماً هيولياً بعيداً من كيانه، بل هي جزء متصل بممارساته اليومية.
ثمة امور كثيرة يتحمل المواطن اللبناني مسؤوليتها، ولا تفيد الشتائم عبر التلفزيون في توفير الحلول لها. فكفى مزايدات إعلامية دفعت بصحافيين الى نزول النهر، او ركوب قارب لعبوره، او ما شابه من أنواع التمثيل الجاذبة لجماهير صارت ارقاماً إحصائية، قد تجذب تالياً بعض الاعلانات .

هوامش:
¶ لوحظ مجدداً ان الوزراء المعنيين يتقاذفون التهم بالتقصير كل واحد على الاخر، وعلى البلديات، ومجالس اخرى، كأنهم يواجهون عاصفة للمرة الاولى، ولم يتعلموا من اخطاء الماضي، علماً ان اكثرهم وزير منذ عهود وفي حكومات متعاقبة.
¶ أمضى اللبنانيون أيام العاصفة بإختراع النكات وتوزيعها عبر وسائل الاعلام الاجتماعي او عبر تطبيقات الهواتف الخليوية.
¶ الطريف في مجمل النكات ان اللبنانيين تعاملوا مع بلدهم كأنه جزيرة عائمة وانهم يسبحون من حولها، كأنها تمطر للمرة الاولى في لبنان، او كأن البلد يفيض اول مرة!.

غسان حجار

This entry was posted in Weekly Supplement. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s