الجنّة السامة وقانون منع التدخين في لبنان

NS_2010_AU_19_10-640

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يحتل لبنان مرتبة متقدمة في قائمة البلدان الاكثر تدخيناً في العالم. فقد اظهرت دراسات عدة اجرتها الجامعة الاميركية في بيروت (AUB)، ان نحو 35٫7% من اللبنانيين من المدخنين (42٫9% من الذكور و27٫5% من الاناث). هذه الاقرام تتفاقم وتدق ناقوس الخطر لدى الشباب، قدرت وزارة الصحة ان 65% من الشبّان الذين تراوح أعمارهم بين 13 و15 سنة و54% من الفتيات من العمر نفسه تقريباً يدخنون دورياً السجائر أو النرجيلة.
يؤدي التدخين إلى أمراض كثيرة ومتشعّبة تُقسم الى 27 مرضاً مميتاً، أبزرها الأورام السرطانية، سرطان الرئتين، امراض الأوعية والقلب، أمراض الجهاز التنفسي وترقّق العظام، إضافة الى شيخوخة البشرة المبكرة. واظهرت الدراسات التي أجرتها الجامعة الاميركية، ان تدخين النرجيلة هو أكثر ضرراً من تدخين السجائر، اذ يعرّض بشكل أكبر الى الاصابة بسرطانات الفم والبلعوم والمعدة.
ويضرّ التدخين أيضاً محيط المدخنين، فحتى اذا استنشقنا كميات ضئيلة من الدخان المنبعث من النرجيلة أو السيجارة، وان بشكل غير مستمر، قد نصاب بصفتنا مدخنين ثانويين (Passive smokers) بأمراض متعلقة بالتدخين كالسرطانات وأمراض القلب، وذلك وفقاً لما أوردته دراسات طبية. واشارت دراسة نشرت حديثاً في الصحيفة الاميركية لطب الجهاز التنفسي والعناية الفائقة (Journal of Respiratory and Critical Care Medicine)، ان التعرض وان على مستويات ضئيلة من دخان السجائر يؤدي بشكل قاطع الى تبدلات خطرة في جينات الرئتين، وفقاً لما بيّنه منظمها الباحث الدكتور رونالد كريستال (Ronald Crystal) رئيس قسم الطب الجيني في معهد وييل كورنيل الطبي في نيويورك (New York Weill Cornell Medical College)، مما قد يمهّد لسرطان الرئة.
واستناداً الى وزارة الصحة، يموت سنوياً في لبنان بين 3000 و3500 شخص من أمراض مرتبطة بالتدخين. وعدا الخسارة الفادحة بالارواح التي لا تعوض، فإن هذا الأمر يكلف الدولة مصاريف مباشرة وغير مباشرة تصل الى 327 مليون دولار! لجميع هذه الاسباب، أصبح حظر التدخين في لبنان أمراً لا بد منه، علماً ان غالبية البلدان في المنطقة وفي العالم، اعتمدت قوانين حظر التدخين قبل أعوام عدة.
وبما ان قانون منع التدخين رقم 174 أبصر النور حالياً، يعتبره كثيرون خصوصاً المقاهي التي تقدم النرجيلة، غير عادل لقطاع السياحة، لذا فهي تطلب تعديله.
ان التدخين عموماً، وخصوصاً النرجيلة لا يشكل حزءاً من الارث الثقافي او السياحي اللبناني ولا يرتبك بأي طريقة لجذب السيّاح. فجيراننا في الخليج لديهم عدد من المقاهي التي تقدم النرجيلة أكثر بكثير من المطاعم. فكروا، كم من سيجارة دخّن أهلنا وأصدقاؤهم في السبعينات عندما كانت نسب السياحة عالية، وكم من شاب وشابة أصبحوا مدمنين على التبغ والتنباك.
هذا الاستنفار لدى الناس عند صدور قانون منع التدخين في لبنان، رغم مرور أشهر من التحضيرات لتطبيقه، يبرهن عن الحجم الكبير لادمان الناس على التدخين، وكما في كل انواع الادمان الأخرى، نحن بحاجة لاعتماد تدابير قاطعة للتخلص منه. فاذا ما كانت بعض المطاعم شبه فارغة اليوم، فالأمر يعود الى الحرب الباردة التي تسود، والى الاغتيالات والى العصابات التي تسرق وتخطف وتهدد، والى الاوضاع الاقتصادية السيئة ليس في لبنان فحسب بل في العالم أجمع.
فالركود في كل الاتجاهات: المحال التجارية، الفنادق الاستثمارات، فهل هذه القطاعات تعاني بسبب قانون حظر التخدين ايضاً؟! القانون الجديد تماماً مثل فرض ضرائب على التنباك، ضروري للحد من التدخين ويعتبر أهم انجاز في لبنان منذ فترة بعيدة.
وبما ان هذا القانون، وكذلك فرض ضرائب عالية على التنباك يحدّان من التدخين ويمنعان عدداً هائلاً من الاشخاص من الاعتياد عليه ويقلل من الوفيات المتعلقة بالتدخين على المديين المتوسط والطويل، فإن تطبيقه بحذافيره يشكل انتصاراً على صعيد الصحة العامة.
منع التدخين في الاماكن العامة امر جيد جداً سيعتاد عليه الناسب بسرعة في بلدنا، وهم أنفسهم يتقبله نظام عدم التدخين عندما يسافرون الى الخارج تماماً مثلما اعتاد غيرنا من الشعوب في بلدان أخرى. لم لا يشعر المدخنون انهم اكثر تحضراً ومسؤولية، فيدخنون في الخارج في الهواء الطلق ويتنفسوا هواء نقياً ويتلاقون مع مدخنين آخرين، وهم في كل الأحوال سيخفضون التدخين، مما يعرّضهم لخطر أقل في الأمد الطويل. ولماذا لا يتمكن الذين يعانون الربو وامراض القلب وغير المدخنين او الاشخاص الذين لديهم خطر الاصابة بالسرطان والحوامل والأولاد، من الذهاب الى المطاعم مجدداً؟ فها نحن نرى حالياً أعداداً أكبر من الامهات والاولاد الذي يقضون أوقاتهم في مراكز التسوّق والمطاعم للاستمتاع بمحيط خالٍ من التدخين.
كان لبنان جنة سامة للمدخنين إلا ان ذلك توقف مع صدور القانون 174. ونحن جميعاً نتحمّل مسؤولية حماية القانون 174، نسمح بأن يتحول قانون “حزام الأمان” الذي لا يطبق، بينما يموت مئات المواطنين في حوادث سير.
لبنان كان وسيبقى مقصداً سياحياً بسبب طبيعته ومناخه وشعبه ومائدته وثقافته وملاهيه، لا لأنه كان لأعوام عديدة بدون أي قانون ينظّم التدخين فيه، وينقد أرواح قاطنيه. تطبيق القانون حضاري وضروري وخصوصاً في هذه المحنة التي نعيشها، وهو جاء متأخر جداً بتوقيته، لكنه سيحمي صحتنا والأم صحة أولادنا!

ثائر حكيم

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s