Forum

قصة أرويها لكم
لدي قصة أحب أن أرويها لكم. وإنكم لتعلمون انني لست ممن يؤلف القصص ولست ممن يحسن الاستعارة والتشبيه وسائر أبوب المجاز التي تعلمناها في المدرسة، فلا تأملوا أن تسمعوا قصة أدبية معقودة من وسطها بعقدة فنية، مردودة الآخر على الأول، فيها الصورة النادرة والفكرة المبتكرة والاسلوب البارع، فليس عندي من ذلك شيئ، وإنما هي واقعة أرويها كما رأيتها وسمعتها وان فيها لدرسا نافعاً لمن يرى الحياة مدرسة ويدأب على الاستفادة منها والانتفاع بها!…
إن الحياة تؤلف قصصاً يعجز أبرع اهل الفن عن توهم مثلها، ولكن الحياة لا تبيع “مؤلفاتها” ولا تعلن عنها، فتبقى محفوظة ومخبوءة لا يصل اليها ولا يقرأها إلا رجل ثاقب البصر، طويل الباع، ذو جلد على البحث وصبر على التنقيب. ولست أنا ذلك الرجل ولا أنا من عشاق المخطوطات، ولكن الأيام قد ألقت هذه القصة في طريقي فكانت مقطعة الأوصال مفرقة الأجزاء، فألصقت أوصالها وجمعت اجزاءها وما لي فيها إلا الرواية. لقد كان ذلك في ظهيرة يوم وهج عصيب تسعر فيه الجو وأقفرت الشوارع من السالكين، كانت السماء تبكي بغزارة، والرياح العاتية باستطاعتها ان تنتشل الاشجار من أصولها، فأنى للناس ان يخرجوا من بيوتهم؟ لربما كانوا مجانين فقدوا قواهم العقلية.
كنت جالسة مع والدي وإخوتي الى جانب الموقد نؤرث النار خشية البرد القارس، وفجأة قرع الباب، تلكأ كل منا عن الفتح بسبب الدفء الذي كنا متمتعين به ولكن قلبي قد أمرني بالتحرك فأسرعت كالمذهولة وكأنه قد علم من يقرع! هرولت الى الباب خوفاً من أن أجد القارع قطعة جليد في الخارج! ولكن الجليد لم يكن في القارع بل في قلوب والديه. فتحت الباب ورأيته ويا ليتني لم أره، تسمرت مكاني فهي المرة الاولى التي أواجه فيها ما كنت اكتب عنه في فروض التعبير الكتابي سنتي الامن والتاسع. لقد كان صبياً صغيراً ربما لما يجاوز العشر سنوات من عمره بعد، هزيلا كالعود، ولكنه رغم ذلك سمين، سمين بالويلات التي ذاقها، سمين بالمشاكل التي جابهها، لقد كان يحمل على ظهره صندوقاً كبيراً مليئاً بربطات خبز الصاج، كان يرتجف من شدة البرد وهول العواصف، نظر إلي بعينين بارقتين وبابتسامة تكدست على عاتقه، ثم سألني بكل جرأة: “أمي قد خبزت هذا الخبز، هل تريدون ربطة؟” في تلك اللحظة أحسست ان دماغي قد غلى فجأة كما يغلي الماء في إبريق الشاي ومن ثم شعرت أنني قد تبخرت من رأسي. فأطلقت العنان لقلبي ليتصرف ويتحدث عني وباردته بالقول: “طبعا نريد!!!”… إنهمرت الأسئلة في نفسي أكثر غزارة من إنهمار المطر في الخارج وهطل الدمع من عيني هطولا لم أشهد مثله من قبل! ما ذنب هذا الطفل؟ لماذا يحمل وطأة الهموم على عاتقه بداية من هذه الأيام؟ أين والداه؟ أين أقرباؤه؟ أين المسؤولون؟ أين الدولة لتحد من هذه المشكلة؟ أهذا مكانه؟ أمكانه من بيت الى بيت؟ من شارع الى شارع؟ أليست المدرسة بيته الثاني؟ أليس من الواجب ان يكون بين أترابه في الصف ليتعلم مثلهم؟ ولكن ربما قد تكون هذه المحنة منحة فيمحص ذنوبه… فلنشكر جميعاً ربنا على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، فنحن دائماً نريد كل ما يجلب لنا السعادة، نريد كل وسائل الراحة، نريد المزيد ولا نكتفي، نريد كل شيء ونحن لا شيء!!! فالحمد لك يا ربي على نعمك التي لا تعد ولا تحصى علينا. فنحن اذا هطل المطر نقول: “يا للهول لقد أفسد زراعتنا الآن بلا مياه، إنه لحر شديد”. وما زلت حتى اليوم أسارع الى فتح الباب عله يكون ذلك الولد قد أتى مرة اخرى علني أجد بعض الاجابات على أسئلتي ولكن للأسف أسارع الى فتح الباب عله يكون ذلك الولد قد أتى مرة اخرى علني أجد بعض الاجابات على أسئلتي ولكن للأسف لما يأت بعد! فلقد منحته ركناً في قلبي المشفق!!

علا غسان حمادة

تعطّرت بالايمان
من ملامحك يا سيدي
احسست بالغبطة
وغزاني الحبور،
في عينيك منارة علم
من زمن تتنفسه بلاغة السطور
في محياك صفاء قداسة
تعطرت بالايمان ورائحة البخور
في القامة انتصاب عزة
كيف لا وانت ابن تلك الجذور
التي اعتنقت الدرب المستقيم
وعاندت من أجله
طوال دهور
انا التقيتك، يا سيدي،
في صفحات الايام والكتب
تبذر ايمانك
وترويه بكل النذور
وقرأتك في مقل المؤمنين
محبة معطرة بالسرور
وتلمّستك نبضا في عروق المصلّين
وفي خفقات الصدور
اليوم اينعت افكارك
وبيادر حصادها ترقص بالبذور
فدقت اجراس الحقيقة بغبطة
لتعلنك بطريركا انطاكيا
جديرا بايمانه وعلمه وهيبة الحضور

ناصر بيطار

بيت جدي
ختيار عندو بيت احلى بيت
كرسي ودشك وحمار حد الحيط
وهونيك صف جرار وخابيه للزيت
وصندوق كلو غبار بقلبو الجنى خبيت
وجرن كبه ومخل بالزاوية حطيت
وجاروشة البرغل بتنده لايدكن حنيت
وسراج صار مخلص من الزيت
والمصطبه يللي اشتاقت السهرت حد البيت
والزنزلخته يللي تحتها اللمي
بتقول يا ريت يرجعو يا ريت
وشروال هالختيار رح يهتري
ورابطو بشقفة خيط
التاريخ والماضي راحو على السكيت
الا صور مات بقيت وهالعين شو بكيت
راحو الاحبه وراحت البركه
وبالبال رح تبقى يا احلى بيت

حسنه محمد عباس
(دير عمار)

أكتب لمن سيقرأ
أكتب لأني أحسّ بالكبرياء
لأنني لبنانية وفخورة بهذا الانتماء
أكتب لأني أصبحت أشعر بالإزدراء
لرؤية حكامنا يتناحرون على السلطة من أجل البقاء
تاركين شعبهم للذلّ والهجرة والشقاء
أكتب لكي لا يغرقنا زعماؤنا في ظلمة الليل
أكتب لأقول لهم كفى لقد طفح منكم الكيل
أكتب لأقول لهم
كفاكم إجراماً بحق شعبكم
كفاكم تقسيماً لبلدكم
فإذا عجزتم عن حلّ خلافاتكم
فارحلوا عنّا.
لدينا من الوعي والادراك ما يكفي لنحكم بدونكم
أكتب لأقول للبنانيين توحّدوا
فوطننا ينزف وبحاجة الينا
بلدنا أمانة في أعناقنا
لأنه وللأسف كثرت طوائفنا وانتماءاتنا
وكبرت أحقادنا وزادت انقساماتنا وقلّ ايماننا
وتوسّعت الفجوة بيننا
فأصبحنا أكثر فأكثر متباعدين
ونسينا كيف نكون فقط لبنانيين
وقد صدق جبران حينما قال :
” ويل لأمّة كثرت فيها طوائفها وقلّ فيها الدين.
أمل حسن سعد الدين

الدولة على محكِّ بري
في كلِّ تقرير عن بلدة بريح الشوفيَّة وفي كلِّ حديث عنها، يشعر المتلقِّي وكأنَّ الكلام منتقص. لوهلة، تبدو النقاط المطلبيَّة للمهجَّرين بديهيَّة لا خلاف عليها. لكنَّك سرعان ما تكتشف أنَّ الخلاف أعمق من قطعة أرض سليبة أو بيت شُيِّد على أرض المسيحيِّين بعد تهجيرهم منها. لوهلة تنسى، ولو لثوانٍ، أنَّ الفلسفة اللبنانيَّة ساوت بين المهجِّر والمهجَّر، بل فرضت على المهجَّر التكفير عن خطايا مهجِّره!
عقب الإنسحاب الإسرائيلي من الجبل، هُجِّر المسيحيٌّون منه على أيدي حلفاء الأمس، الحزب التقدُّميِّ الإشتراكي والسوريِّين. بعد انتهاء الحرب، طالب أصحاب الأرض الدولة بإعادتهم الى أرضهم. تسلم المهجِّر وزارة المهجَّرين وأصرَّ على تطبيق سياسة المساواة، المساواة بين من هَجَّر ومن هُجِّر. ففي نظر الدولة اللبنانيَّة، من هجَّر الناس من أرضهم واحتلَّ بيوتهم أو هدمها، يجب التعويض عليه فورًا. ومن ترك أرضه مرغمًا، ونزح نحو ضواحي المدن، وافتقر وخسر أمواله، يجب التعويض عليه… مع وقف التنفيذ.
“تعنى وزارة المهجَّرين بجميع شؤون المهجَّرين في كل المناطق اللبنانيَّة وبتأمين عودتهم إلى مناطقهم وقراهم وتحصين أوضاعهم من النواحي الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة وتمكينهم من الاستقرار في أماكن إقامتهم والمساهمة الكاملة في حقوق المواطنيَّة وواجباتها”. هكذا تعرِّف وزارة المهجَّرين عن نفسها على موقعها الالكترونيِّ. إذًا واجبات الوزارة ثلاثة: تأمين العودة الى المناطق، وتحصين الأوضاع الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، والتمكين من الاستقرار في المناطق. التعريف هذا يبدو واضحًا، إلا أنَّك إن لم تكن متمرِّسًا في الفلسفة اللبنانيَّة للأمور فلن تفهم المقصود. التعريف لا يذكر تعويضات “الخلوّ” للذين سكنوا بيوتًا ليست لهم والذين استثمروا أراضي ليست ملكهم والَّذين هدموا الكنائس وسرقوا الأجراس، وهي تعويضات حرصت الدولة على تأديتها قبل تلك الثلاث الواردة في تعريف مهمات وزارة المهجَّرين، وبكرم غير مسبوق.
إذًا من حقِّ المهجَّر أن تؤّمِّن الوزارة عودته الى أرضه، وذلك يكون عبر تذليل عقبات العودة. العقبة الأساسيَّة التي تحول دون عودة أهل بريح مثلا، هي المبنى المشاد على أرضهم، أو ما يعرف بـ”بيت الطائفة”. معادلة عودة المسيحيِّين الى بريح هي حقيقة سهلة جدًا: لا عودة قبل هدم البيت وإعادة الأرض، يقولون. والمعادلة سهلة لأنَّه يفترض بدولة تريد محو آثار الحرب الأهليَّة أن تنقض ما أرساه منطق الحرب، من استهتار بالحقوق وبالدولة، لا أن تكرِّسه.
في ما يتعلق بتحصين الأوضاع من الناحيتين الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة فذلك لا يكون إلا عبر دفع تعويضات قادرة على تأمين عودة كريمة للمهجرين. فالتعويض على الذي أُخرج من أرضه لمدَّة تتعدى الثلاثة عقود بسبب تقاعس الدولة، فحرم السكن فيها واستثمارها مع ما رتَّبه ذلك من خسائر، والذي تتوقَّع منه الدولة اليوم أن يؤسٍّس حياته من جديد في مسقط رأسه، لا يكون بمبلغ ماليٍّ لا يمكِّنه من بناء منزل أو شقة سكنيَّة. التعويض حقٌّ للمهجَّر على الدولة، فالدولة هي من تقاعست وفشلت في الدفاع عنه وفي إبقائه في أرضه.
وفي ما يتعلَّق بتمكين المهجّرين من البقاء في الأرض ومن الإستقرار فيها، فلذلك طرق واضحة تبدأ بإنشاء مدرسة ولا تنتهي بتأمين فرص عمل، لكنَّها تمرُّ حتمًا بتطمينهم إلى أنَّهم يعيشون في كنف الدولة لا في حماية هذا أو ذاك من “الزعماء”.
قد يلجأ البعض الى التخفِّي وراء إصبعه فيبرِّر التأخير في تحقيق عودة بريح، على رغم توقيع “بروتوكول المصالحة” عام 2010، بعدم توافر الأموال. لكنَّ واقع الأمر أنَّ الوزارة دفعت 600000 دولار لإعمار بيت طائفة جديد. لم تتحمَّس الوزارة لإعادة إعمار كنيسة مار الياس (التي تعود الى القرن الثامن عشر) وكنيسة مار جرجس اللتين هدمهما من تُدفع لهم التعويضات لإخلاء أراضي المهجَّرين وبيوتهم، علمًا أنَّ بناءهما لم يكن مخالفًا للقانون كما هو وضع “بيت الطائفة” المذكور آنفًا.
رمت الفلسفة اللبنانيَّة على طاولة المقامرة، هذه المرَّة أيضًا، بصورة الدولة في أذهان الشباب اللبناني، كأنِّي بها تقول لهم: لا تغرَّنَّكم الشعارات، وظيفة القانون تشريع ما اكتُسب بالقوَّة، ووظيفة الدولة تبييض سجلاّت الميليشيات. للدولة اليوم، إن رامت أن تكون دولة، خياران لا ثالث لهما: إمّا تثبيت النظريَّة القائلة “إفعل ما شئت فلك دولة تنسى وتغفر” والتي رسَّخها العفو العامُّ بعد الحرب، وإمّا تقديم نموذج جديد يطمئن اللبنانيِّين إلى انه مهما جرى، لكم دولة مسؤولة عنكم وهي إن أمهلت ثلاثين سنة… فلن تهمل.
ايلي لحود

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s