لا للطّائفيّة ولا للعلمانيّة… المواطنيّة هي الحل

1-640

عندما يكثر الطبّاخون تحترق الطبخة، مثل شعبي يلخّص الوضع اللبنانيّ برمّته. بل إنّ الطبخة في لبنان وإن نضُجت هي طبخة بحص، غير قابلة للأكل اطلاقاً. من الواضح أنّ التّركيبة السّياسيّة الاجتماعية في لبنان ليست على ما يرام، لا بل أنّها ولّادة للمشاكل. يختلف اللبنانيّون في كلّ شيء: الأفكار والتّقاليد والعادات والمعتقدات والعقائد السّياسيّة، والممارسة الحزبيّة والمدنيّة، وعلى تحديد من هو الصّديق ومن هو العدوّ، وعلى رؤيتهم للحلّ وللنّظام السّياسي الأمثل للبنان، ويختلفون على أشياء كثيرة لا مجال لحصرها في كلمات، ولا في أيّ مقال، أو كتاب أو مجلّد أو موسوعة حتّى.
ورث اللبنانيّون الانقسام (والانفصام)، قبل أن يولد لبنان بشكله الآنيّ، عندما كانت المتصرفيّة هي النّظام الإداري إبّان الحكم العثماني. أقنعونا في كتب التّاريخ المزيّفة أنّ حرب 1860 الأهليّة والتي راح ضحيّتها 20,000 شخص سببها لعب “الكلّة” بين طفلين صودف (والعياذ بالله) أنهما من طائفتين مختلفتين. أقنعونا أيضاً، أنّ إعلان دولة لبنان الكبير جاء استجابة لرغبة اللبنانيّين الاستقلاليّة، وأنّ المعارضين للدولة كانوا من مؤيّدي الوحدة ضمن “الوطن العربيّ الكبير” الذي لا أساس تاريخياً له أو وجوداً. وأقنعونا أيضاً أنّ استقلال 1943 عن فرنسا، جاء نتيجة معركة نضاليّة طويلة واعتقالات وحكومة استقلال، في حين أنّها جاءت نتيجة استجابة فرنسا لضغط سياسيّ وتهديد عسكريّ إنكليزيّ، نتج منه إطلاق سراح الشّخصيّات السّياسيّة والعائلات الطائفيّة التي ستحكم لبنان وتقوده إلى جلجلته الدّائمة. وأقنعونا أيضاً أن حرب 1958 كانت مجرّد حوادث، في حين أنّها كانت انقساماً أفقيّاً بين نهج مؤيّد للغرب وآخر مؤيّد للعرب، والفرق بين الغرب والعرب ليس نقطة، بل قتلى وجرحى ومعوّقون، وذلك لأنّ الصّراع تفشّى داخليّاً عبر النّزاعات الدّينيّة الطّائفيّة مرّة أخرى. ولم تتطرق كتب التّاريخ الى حربنا الأهليّة الحديثة نسبيّاً، في عام 1975، التي أوقعت أكثر من 170,000 قتيل، وأكثر من مليون جريح ومشرّد ومعوّق ومفقود، عدا عن الاقتصاد المدمّر والذي نعاني آثاره وآثار إعادة إعماره إلى اليوم. كلّ ما نعرفه عن الحرب الأهليّة هو ما علّمونا إيّاه، وأنّها كانت حرب الآخرين على أرضنا، وهذا غير صحيح. كنّا نحن وقودها نعم، ولكن كنّا أيضاً الذين أشعلنا النّار وشرّعنا للدّول من المشرق إلى المغرب التدخّل في سياستنا الخارجيّة، والدّاخليّة، وحياتنا اليوميّة، ونزاعاتنا العبثيّة وصراعاتنا الدينيّة السّياسيّة.
احتار اللبنانيّون حول شكل نظامهم السّياسيّ، فهو اليوم يعدّ نظاماً هجيناً، يجمع الدّين بالسّياسة، مع سلطة الدّولة المركزيّة في عاصمتها، متناسية الأطراف والإنماء المتوازن. فما العمل؟ هل الدّولة الطائفيّة بوجه مدني هي الحل؟ أم ان العلمانيّة المفروضة عليها تجمع اللبنانيّين أخيراً حول العيش معاً بسلام؟
الحقيقة أنّ في كلا النّظامين الصّواب، وفي كلاهما الخطأ. ونقطة البداية تقوم بتعزيز مفهوم المدنيّة والمواطنيّة كركن أساسي لبناء الدّولة. يجب أن يشعر المتديّن بالحريّة في ممارسة شعائره الدّينيّة، مثلما يجب أن يشعر الغير في عدم ممارستها.
يجب اعتماد قانون يساوي بين المرأة والرّجل في الحقوق والواجبات فعليّاً لا شكليّاً، وبشكل نهائي.
يجب أن يكون قانون الانتخاب قانوناً متطوراً، يتماشى مع العصر. كلّ ذلك يجب أن يتوافر ويُصان ضمن دولة مدنيّة (لا دينيّة ولا علمانيّة)، تستطيع أن تعطي الحقّ بالمواطنة لساكنيها والمنتمين إليها. كلّ ذلك، يتزامن مع اعتماد أعلى معايير الشّفافيّة، وتوفير قدرة للشّعب ليُحاسب حكّامه.
احترف اللبنانيّون الاستعانة بالغير على بعضهم البعض، وأتقنوا الاستقواء بالخارج على الدّاخل.
أمعنوا في قتل أنفسهم وتدمير دولتهم. ثمّ اختلفوا على من يمشي في الجنازة، ومن يرثي المجد الضّائع. لكنّهم، ولا لمرّة واحدة فقط، فكّروا قليلاً كيف يمكنهم الصّعود من عنق الزّجاجة، ومن بين المطرقة والسّندان، وكأنّ الشّعب اللبنانيّ يرضى بالموت مصيراً أبديّاً له. هو ليس كذلك، ولكن يبقى إلى ذلك الوقت، كما وصفه الكاتب نصري الصّايغ: “غير قابل للحياة وغير قابل
للموت”.

زياد نابلسي

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s