جامعات لبنان يا مين يشيل!

من قال أن العلم نور لم يكن يعلم أن للنور نوعاً باهتاً، يخرج خجولاً بومضٍ مريض من خزي الحال. ومن قال أن العلم سلاح فاته أن للسلاح حاجة ماسة لذخيرة حية، هو من دونها كجسد خلا وعاؤه من شراب الروح. من أعترف بحقيقة أن لبنان بلد العلم، نسي، أو تناسى، إحتمال ذوبان الحقائق أحياناً تحت حرارة الأوهام ومن ظن صائباً أننا في عهد لا محدودية العلم، أخطأ صوابه عن حدود لا محدودية الانضباط في مجتمعنا المتبجل دائماً على مرآة مكسورة بفعل مادية الحياة وتمادي مآسيها.
نعم إنها الحال السيئة “الجامعتنا” في جامعاتنا. الى المطاعم التي لا ينتهي أحصاؤها على أفق اللانهاية، ومحطات البنزين، عملا من لا يملك عمل وفاتح شهية كروش المال… أصبحت للعلم حصة الأسد في عرين المال وعالمه الباطل. شهادات “وجه الصحارة” و”قرب عالطيب”، “لحّق حالك يا شاطر”! خاصة أذا لم تكن بالدرس شاطر! أصبحت لائحة الجامعات في لبنان تحصي أعداداً توازي أعداد أنواع الجبنة الفرنسية، وفعلا أصبحت تجارة العلم قطعة جبنة دسمة على موائد المشبعين من ثروات فاحشة.
اذا دخلت الى الموقع الرسمي لوزارة التربية والتعليم العالي على الإنترنت، وإذا بحثت بين الصفحات وما بينها، تجد صفحة مخصصة لعرض أسماء الجامعات المرخصة والمعترف بها من الدولة وأمام الشعب العنيد. مما لا شك فيه أن هذة الخدمة جيدة في شكلها المستحدث وفي مضمونها القديم، ولكن يهبط على كتفيك ثقل سؤال ليحملك عبء جوابه المخفي في أدراج مكاتب صنّاع المال والثروات المكدسة في خزائن ممالكهم الخيرية ذات الأهداف الإنسانية البحتة، وحب التغيير الصافي من كل شائبة مادية وصولية والعياذ بالله!.
والسؤال سهل ممتنع: اذا كانت الوزارة على علم بالجامعات المرخصة في لبنان، فلماذا تسمح ببقاء الجامعات غير المرخصة على وسع أراضيها؟ سؤال يجر آخر: لماذا تسمح الوزارة بفتح جامعات ومعاهد جديدة من دون رخصة؟ مما يطرح السؤال: لماذا هذه الجامعات تحظى بنسبة إختيار لا بأس بها من الطلاب؟ وتتوالى الأسئلة: أين دور الدولة في المراقبة؟ أين دور المدارس في التوجيه الأكاديمي؟ أين دور الأهل في المتابعة؟ وأين دور الطالب في الإنتباه؟ أسئلة تولّد بعضها لتشكل سلسلة متينة تكبّل المستقبل العلمي للبلد وتحدّ من حركته.
واللافت في المسألة أن هذه الجامعات تتلطى خبثاً تحت عنوان خادع الكلمات، فهي تسمي نفسها “معاهد جامعية”! والفارق بين الكلمتين يتعدى حدود الحروف واللغويات الى أبعد ما في النيات.
هاني (19 سنة) والذي ينتسب الى أحد هذه “المعاهد الجامعية” الكائنة في منطقة الدكوانة يقول إن إختياره الاقساط يعود الى القدرة المادية المحدودة لأهله، اذ أن المعهد يقدم تسهيلات في الدفع، إضافة الى أقساطه المنخفضة جداً مقارنة مع الجامعات الخاصة المعروفة في لبنان. وعن عدم إختيار الجامعة اللبنانية قال هاني أن الفرع الذي يتخصص فيه، وهو إدارة الأعمال، يتطلب في الجامعة اللبنانية امتحان دخول “صعباً” و”بدو واسطة أصعب” لذا فأن الحل كان التوجه الى هذه الجامعة. يعلم الطالب الشاب ان المعهد ليس في المستوى الرفيع واسمه ليس كالجامعات المعروفة في لبنان، ويضيف نقطة مهمة بالنسبة اليه، وهي أن العنوان على جبين الشهادة لم يعد يهم في هذه الأيام، فعناوين الخبرة في العمل والواسطة باتت أقوى على مسامع أرباب العمل.
سيلفا (18 سنة) المسجلة حديثاً في أحد المعاهد “إياها” في الجديدة، تجمعها الأسباب عينها مع هاني لدخولها هذا المعهد، فالماديات لا تساعد لزيارة إحدى الجامعات المعروفة، والجامعة اللبنانية الغارقة في المحسوبيات، غيضها كبير من فيض لوائح الانتظار لسبب عدم قدرة الاستيعاب. تقول سيلفا أن فرعها “الاخراج التلفزيوني” هو مرخص على عكس فروع عدة في الجامعة اياها وهي غير معترف بها من وزارة التربية.
تسهل وزارة التربية على الطلاب مهمة معرفة أسماء الجامعات المعترف بها، تعددها في لائحة عبر صفحتها الألكترونية وعددها ثلاثون جامعة، الى سبعة معاهد جامعية، ثلاثة معاهد جامعية للدراسات الدينية، وثلاث مؤسسات جامعية مرخص لها، ولم تحصل بعد على إذن بالمباشرة. كما تعرض الصفحة كل كليات الجامعة اللبنانية وفروعها.
ولم تتأخر الوزارة بنشر الشروط الأساسية المطلوبة من الجامعات قيد التأسيس للحصول على الترخيص وفق المرسومين: 9274 تاريخ 10/07/1996 و8864 تاريخ 26/07/1996.
جميل هذا الكلام لكن أين الوزارة من مراقبة تطبيق هذه الشروط من الجامعات التي تفتح دكاكينها في أبخس الأسواق؟ كيف تفتح معاهد لا تطبّق حتى نصف البنود المفروضة في المراسيم؟ على سبيل المثال لا الحصر المادة الرابعة التي تنص على وجوب شرح نظام قبول الطلاب ونظام التدريس وشروط التخرج…. وبعض هذه الدكاكين تقبل الطلاب الراسبين في الشهادة الرسمية البكالوريا، على أساس أن تترك لهم المجال على مدى سني التخصص في الجامعة لكي يجربوا حظهم “وأنت وحظك يا شاطر” !.
هذا مثال من الفيض الذي فاضه إختراق القانون وعدم المبالاة به، وكأنه مجرد كلمات تزين دفاتر القوانين الراقدة في قبور الأدراج المظلمة.
لا داعي لأن تذهب الى الصين لكي تطلبه، أطلب العلم هنا في لبنان، ولكن إعرف كيف تطلبه ومن أي مصدر، لأن الشاطر في هذا البلد هو “بشطارتو”. لا من يساعدك على الاختيار ولا من يدفع ثمن الخيار إلا أنت. يباع العلم بأكياس بلاستيكية مهترئة تخنق بيئة الأمل والمستقبل الواعد “افتراضاً” كما تعلمنا في أغاني المدارس والحركات الكشفية، يباع العلم في أسواق بائسة بعلب إجتازت تاريخ انتهاء الصلاحية من زمن ماضٍ، مضى عليه العمر ومضى فوقه حب المال والثروة. يباع العلم بفارق عملات الحاجة والاضطرار، يباع العلم بفوائد مرابي الجهل والعدم. يباع العلم في سحاحير البلاش….. ويا مين يشيل!.

بدر جورج غانم

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s