في مواجهة الإسلام السياسي!

ملامح الحقبة المقبلة بدأت تتشكّل. من الواضح أنّ الإسلام السياسي سيكون متربّعاً على عرش السلطة، إن في تونس، مصر، أو في دول اخرى. يُمكننا منذ الآن تركيب المشهد… هو ليس أفضل حالاً مما عشناه خلال الحقبة الماضية. الدينيّون في السلطة هذا لن يعني سوى تُضيّق أكثر على الحريّات، وانتهاك أكبر لحقوق الإنسان. وما يجري في تونس يُشير في أي اتجاه نذهب.
لذا كان من البديهي أن يخرج تيّار مدني غير منظم يرفض ما أطلق عليه تسمية “الربيع العربي”، ويُناهض الإنتفاضات الشعبيّة بحجّة أنّ نتيجتها هي وصول الإسلاميّون إلى السلطة. ولكن هل كان بالإمكان الوصول إلى نتائج مختلفة، الى أنظمة أكثر مدنيّة وإنسانيّة؟
حسناً، لنعد إلى الوراء قليلاً. لنراجع النصف الاخير للقرن العشرين. خلال تلك الحقبة تعرّضت القوى المدنيّة في عالم ما بين الأزرقين لتدمير ممنهج من الديكتاتوريّات من جهّة، ومن جهّة اخرى فشلت في بلورة رؤية قادرة على بناء جو مدني تحرري يقود إلى واقع أكثر ديموقراطيّة وإنسانيّة.
واليوم يبدو المدنيّون، العلمانيّون، اليساريّون، الليبراليّون وغيرهم مشتتون وضائعين. فهُم ليسوا قوّة منظّمة، بل مجموعات مشتتة، بأهداف متباعدة، خطابهم غير متماسك، يفتقدون الرؤية، وأغلبهم عالقون في سبعينات القرن الماضي. هذا الواقع لا يجعل منهم قادة للمجتمعات، أو في موتقع أكثر شعبيّة.
بينما في الجهّة المقابلة، وأثناء ذلك، كان الإسلاميّون يعملون على تنظيم أنفسهم، تطوير قدراتهم، وبلورة رؤيتهم الخاصة بهم والتي ساعدتهم على توسيع امتدادهم الشعبي حتّى في البيئات التي تعتبر أكثر مدنيّة، مثل البيئتين التونسيّة والمصريّة وغيرهما. كما أنّ وجودهم دائماً في صفوف المعارضة، جعل منهم الأبطال المحبوبين شعبيّاً.وعرف الإسلاميون ايضاً كيف يستغلّون هامش الحريّة على صعيد العمل الإجتماعي وهذا ما ساعدهم أكثر على اسلمة المجتمعات، والتغلغل فيها، وقد اماطت الإنتفاضات الشعبيّة اللثام عن حجم الاسلمة الذي تعرّضت له مجتمعاتنا طوال تلك الفترة، خصوصاً منذ منتصف الثمانينات.
لذا يبرز الإسلاميّون اليوم القوّة الأكثر تنظيماً، وشعبيّة في العالم العربي. هُم القوّة التي لم يعد بالإمكان تفاديها اجتماعيّاً، أو سياسيّاً، ووصولهم إلى السلطة ليس سوى انعكاس لحجم امتدادهم داخل المجتمعات. ولم لا؟ ليتسلم الإسلاميون السلطة.
هي لحظة تاريخيّة تعيشها المنطقة. هذه المرّة الأولى التي يكون فيها شعار الإسلاميّين “الإسلام هو الحل” أمام اختبار حقيقي، وأيضاً هي فرصة لكل القوى الرافضة للحكم الديني للانتقال إلى طور آخر، على الصعيد الفكري، الرؤيوي، والتنظيمي.
وهذا يستلزم قبل كلّ شيء، جرأة الاعتراف بأنّها فشلت تاريخيّاً، وبأنّ معظم الأفكار التي تحملها الآن لم تعد نافعة، إضافة إلى أنّ الشكل التنظيمي والأدوات التي استخدمتها يجب أن تُعيد النظر فيها.
هذه فرصة للقوى المدنيّة بكل اتجاهاتها، لتقوم بورش داخليّة، حقيقيّة، ومتحرّرة من كل رواسب الحقبات الماضيّة، والأطر البالية، فهي أثبتت أنّها قادرة على التأثير العميق في البنى الاجتماعيّة- الثقافيّة، ودورها الحيوي أثناء الإنتفاضات يُشكّل قاعدة إنطلاق نحو بلورة الأطر الفكريّة، والتنظيميّة، وحمل الرؤية التي من خلالها يُمكن مواجهة أي ديكتاتوريّة محتملة، وتؤسس لثقافة جديدة في المجتمع     الظروف المختلفة التي كانت تمر فيها المنطقة، ولكن اليوم لم يعد هناك من مفر. هي معركة حتميّة بين الإسلام السياسي والحريّة. وحركة مواجهة الأسلمة، التي مازالت خجولة، والتي أنطلقت في كل من تونس ومصر، ليست سوى البداية. لنستعد!

هاني نعيم

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s