مخيم رياض الصلح ولد لديّ شعوراً غريباً… لكني باق

لا أعرف تماماً ما هو الشعور الذي انتابني لدى بلوغي ساحة رياض الصلح. أهو مخيم الحرية فعلاً بصيغته الثانية؟ أم هو مخيم 8 آذار؟ هذه الساحة ليست ساحتنا؟ هي صغيرة قياساً بطموحاتنا وأحلامنا؟ مقفلة؟ ضيقة؟ لا تشبهنا؟
المشهد تبدل بين الامس واليوم. بين 2005 و2012، بين ساحة الحرية في ساحة الشهداء وبين ساحة شكراً سوريا. لم أهتم بالعدد وبالشكل أولاً، بل انني لم أشعر بارتياح للساحة في ذاتها.
جلست أحادث الشباب، وكنت حملت أمتعتي معي، لأنام في الخيمة، علني بعد هذه السنين، أعود الى الامس المشرق، الى عام 2005، الى سنة الحرية، والاباء، الى سنة طرد الجيش السوري المحتل من لبنان، قبل أن يعود علينا من ألف باب وشباك. هذه الساحة، على رغم وجود رياض الصلح فيها، الرمز الاستقلالي الكبير، الا انها فقدت معانيها. حتى رياض الصلح هجروه مراراً من مكانه، فأدار وجهه حزناً حتى لا نقول قرفاً.
أمس سهرت في المخيم. العدد قليل ولم نستحي بالأمر، فالكاميرات تصورنا. هذا نحن. لم يستجب الشباب، المسيحيون تحديداً، للنداء. بل ان نداءات الك تائب أبعدتهم عن الساحة وعن التحرك. وحدهم الاحرار بكامل عديدهم وعتادهم. ها هو سيمون درغام المسؤول عنهم يفعل حركتهم منذ نحو سنة، حتى بدوا لبرهة، كأنهم الاقوى على الساحة.
العونيون، رفاق الامس، غابوا ليس فقط عن هذه الساحة، بل عن كل الساحات التي تعادي سوريا. صاروا أصدقاء معها ومع نظامها البعثي الذي داسهم بالأرجل. نسوا الماضي المؤلم. تمكنوا من مسامحة سوريا، و”حزب الله”، لكنهم لم يتجاوزوا خلاف ذات يوم مع “القوات اللبنانية”. التنافس المسيحي على الرئاسة الاولى يخرب العلاقة بين الاحزاب المسيحية. الكتائب لديها مرشحها الى بعبدا. وكذلك “القوات” و”التيار” لديه المرشح الاكثر استحقاقاً، والاكثر عجلة، لأن العمر والزمن يدهمانه.
في المخيم في ساحة رياض الصلح، رأيت اكياس النفايات من حولي في الليلة الاولى. الخيم صغيرة ولا تتسع لنا، كأن المنظمين يريدونها خطوة تعبير ليس أكثر. لم يحضروا مكاناً لأعداد كبيرة. وإذا أتى شخص إضافي فلن يجد له فراشاً. وإذا حمل فراشه فلا خيمة تتسع له.
هدف المخيم واضح. اسقاط الحكومة بالضغط في الشارع. مخيم هنا، وآخر في طرابلس، قبالة منزل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي. نتبادل الادوار، هنا استقر مسلحو “حزب الله” لمحاصرة الرئيس فؤاد السنيورة في السرايا. لم يتمكن من الخروج يومها. ونحن اليوم، من دون سلاح، نحاصر الرئيس ميقاتي الذي ذهب يؤدي فروضه الدينية وظلت حركته ممكنة بل حرة تماماً في أن يدخل ويخرج. هذا هو الفارق. نحن لا نخيف أحداً، لماذا؟ لأنه حتى في حركتنا “الثورية” العفوية في الهجوم على السرايا لم تكن لدينا خطة واضحة الى ما بعد. كنا واثقين أن الخطوة عفوية، وان قياداتنا ستخرج بعد قليل لتستنكرها. هم على العكس لا يتحركون إلا وفق خطة محكمة ومدروسة النتائج، ومجهزة كلياً بدعم لوجستي. هذا هو الفارق، هم ميليشيا منظمة ونحن مناصرون لا قدرة على تنظيمنا من الطرفين. قياداتنا ليست حازمة، وليست عسكرية، ونحن ايضاً لا نلتزم أوامر عسكرية وان كنا نستجيب النداء الى الساحة، ساحة الحرية، ساحتنا.
الرفاق الذين تحدثت اليهم كانوا أكثر حماساً مني، اعلموني ان التمنيات وصلت بالغاء كل اعلام الاحزاب وازالتها من المكان، والابقاء على العلم اللبناني وحده. لم يزعجني الامر. فأنا لم أحمل معي علمي، ولا أريد المزايدة به على أحد.
نمت ليلتي الاولى في المخيم. ووعدت الرفاق بالعودة في الويك – اند لأن دروساً كثيرة تحاصرني، ولن يقتنع استاذي في الجامعة بالاسباب التي تحول دون انجازي لواجباتي. سأعود في الويك – انك، وسأنام في المخيم، وإذا اتسع المكان، سأدعو زملائي وأصدقائي، للدفاع عن قضية اسمها لبنان. لبنان الذي نحب، لبنان الذي نرفض فيه القتل والجرائم على انواعها، لبنان السلاح الشرعي والشرعي فقط، لبنان المؤسسات التي لا يحتلها مياومون، لبنان الذي ندفع فيه فواتير الماء والكهرباء والهاتف بعكس ما دا اليه معين المرعبي. لبنان الحسنات لا المساوئ التي تحدث عنها نبيه بري عندما قال ان 14 آذار أخذت من 8 آذار كل مساوئها دفعة واحدة وزادت عليها. كلامه غير صحيح، إلا باعترافه بأن لدى فريقه الكثير الكثير من المساوئ. وعلينا التنبه لها لعدم السقوط فيها، فيا رب لا تدخلنا في التجربة، بل نجنا من الشرير.

طوني حنا

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s