جريمة اكاديمية في كلية العلوم – 2

 لم أعرف ما الذي أتى بي إلى هنا هذا الصباح. قد تكون رائحة أيلول في صدري هي من دفعتني للقيام بعمل عشوائي كهذا. لم تسمح لي طاقتي بأن احلل الأسباب و لم يمنعني شيء من أن أتبع احساسي.

وجدت نفسي فجأة ودون قدرة على المقاومة أركن سيارتي أمام الفرع الثاني لكلية العلوم في الفنار.
دخلت من الباب الرئيسي ملقياً التحية على الحارس كأي طالب لطيف يمر يومياً من هنا. النعاس البارز على وجهي يخفي هوية المستكشف الغريب الضائع. أتراني أبحث عن شخص كان يعقل جداً أن أكونه؟ أم ابحث عن مصير ضائع لرفاق إنهارت أحلامهم على هذه الأبواب؟ أم عن الدولة في مكان ما، فجئت اتفقد وجهها الثقافي الأبرز؟
الحركة في هذا الصباح هادئة هنا، يبدو أن الأيام الدراسية تبدأ متأخرة نوعاً ما. لم يسألني الحارس بدوره شيئاً. دخلت جامعة الدولة وإذ برائحة مضاعفة تقتحم صدري بجنون. هي رائحة الظلم هنا، رائحة الأحلام المحروقة، الأيام التي ذهبت ولن تعود.فهنا قصص البؤس التي أعرفها لا تنتهي. كل المسببات لكل أنواع المشاكل النفسية موجودة من عوامل بشرية وعلمية وبنى تحتية.
عدد لا بأس به من الجسم البشري المنقسم بين موظفين واساتذة موصوف بالقسوة والمعاملة السيئة للطلاب. اختصاصه الإذلال والإهمال. تتردد في رأسي أسماء كثيرة وحكايات لا تنتهي عن اساتذة لا يرحمون، باتت أعمالهم أحاديث الطلاب وأكبر هواجسهم. أتذكر كيف أن الدولة تعطي هؤلاء الأساتذة نسبة كبيرة من اقساط اولادهم فيسجلونهم في أرقى الجامعات. وأنا متأكد أنهم لم يفكروا يوماً في امكان أن يكون اولادهم هنا مكان هؤلاء الشباب.
وكوني طالباً في جامعة خاصة، لاحظت العدد المرتفع لأبناء اساتذة الجامعة اللبنانية في جامعتي. و حصلت صدفة في سنتي الجامعية الأولى أن علمني أستاذ تقاعد حديثاً من كلية العلوم، و تفاجأ رفيق حين أخبرته عنه و أقام مقارنة بين سلوكه هناك و سلوكه هنا. لا أعرف بماذا أصف هذه الحالة التي تحصل. فالدولة تعطي اساتذتها حق تعليم ابنائهم بعيداً من العذاب والأسى وتسلّطهم في الوقت عينه على رقاب الطلاب الفقراء. نعم هي جريمة أكاديمية أن تفتح الدولة باب الإلتحاق بكلية العلوم دون إمتحان دخول للجميع ثم تعتمد أقصى المعايير لتصفيتهم وإعاقة انتقالهم إلى السنة الثانية. نعم هي جريمة كبرى أن يعيش دكاترة الجامعة اللبنانية في هذا الرفاه الضخم والراحة ويتمتعون بكل التقديمات الإجتماعية المميزة للدولة وينعكس ذلك معاملة سيئة للطلاب.
إضافة إلى العوامل البشرية، يدهشك في هذه الأروقة غياب الطلاء ما يولد نقصاً واضحاً في كمية الضوء ويدفعك إلى الحزن والحذر، ويجعلك تتأكد أنك هنا في مهمة مقاومة فريدة من نوعها. فلا يكفيك مقاومة فقرك، عليك أن تقاوم النظام العلمي العسكري.
تحية إجلال لكل من مر من هنا وإجتاز كل المراحل ولكل من لم يستطع أن يستمر ولكل فقير يسعى لأجل العلم بكل ما أعطاه الله من قوة. حكايات الفرع الثاني في كلية العلوم هي حكايات كليات وفروع أخرى للجامعة اللبنانية المنتشرة على أرض الوطن الحبيب. تلك الجامعة التي تمثل صمام الأمان العلمي للمجتمع ولولا وجودها لكان الجهل كبيراً حولنا.
كل ما نتمناه،عملية تصحيحية تطال بعض الجوانب وتنعكس نفسياً إيجاباً على أرواح الشباب وطموحاتهم واستمرار مسيرتهم العلمية.

إلياس صدقة

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s