الشابة اللبنانية تامي قزحيا تسأل من أثيوبيا: كيف نعيش على هذه الأرض فيما شبح الموت يرقص في الشوارع؟

عادة ما يدّخر عدد كبير من الشباب امواله للقيام برحلة استجمام خارج البلاد، او لشراء سيارة جديدة، او للتبضّع والتسوّق، الا ان الناشطة الاجتماعية تامي قزحيا ومجموعة اصدقاء لها، ادّخروا اموالهم … للسفر الى اثيوبيا، في رحلة انسانية لمساعدة الفقراء.
الساعة الرابعة فجراً بتوقيت بيروت، انطلقت تامي قزحيا من مطار رفيق الحريري الدولي. كان الجوّ بارداً في تلك الساعة، حملت حقائبها وأقلعت طائرتها برفقة اربعة اصدقاء لها باتجاه القارة السمراء. ذهبت في مهمة انسانية مع مجموعة من شباب شرق صيدا وجزين، مُرسلين بدعم من مطرانية وابرشية صيدا للموارنة وبعض اهالي المنطقة: الوجهة كانت اديس ابابا.
خمس ساعات مدة الرحلة الى اثيوبيا. “وصلنا الى مطار اديس ابابا، انطلقنا منه الى منطقة ريفية بعيدة ونائية تُدعى ديبري ماركوس، تبعد عن العاصمة حوالي تسع ساعات برّاً. وفي طريقي الى البلدة البعيدة، لم اصدق اني على هذه الارض. جوع وفقر وحرمان ويأس وحزن، تغطي كل سماء افريقيا. حتى بريق الاطفال لم يكن موجودا هناك، وشعاع الامل استبدل بألم مبرح في عيون الامهات والاطفال والرجال على جانبي الطريق”. تقول تامي، الشابة والناشطة الاجتماعية في عدد من الجمعيات اللبنانية.
“بيوت من تنك وطين، مجبول بأسى لا يوصف. اعترف بأن دموعي خانتني مرات ومرات طوال الساعات التسع، وانا في طريقي الى تلك المنطقة البعيدة، وما هي الا ساعات من التفكير في وجودي كانسانة على هذا الكوكب، حتى وصلنا الى مكان اقامتنا”.
شغفها بالعمل الانساني وبخدمة الاخرين دفعها للمشاركة في هذه المهمة الانسانية. تامي، الناشطة في مجال مكافحة المخدرات ومتابعة معالجة اوضاع المرضى والمدمنين داخل السجون، قررت متابعة هذا الشغف بمساعدة الاطفال الفقراء، على طريقتها.
“مهمة الاحسان”، عنوان الرحلة التي نقلتها من بيروت الى افريقيا، والتي تهدف الى التطوّع باعمال خيرية خارج لبنان، أضافت الى تامي وكل من الاب ايلي قزحيا، والاب يوسف بركات، بول قطّار، عليا ابي نادر، وريتا عازار الكثير من التجارب والعبر.
“كانت فرصة مهمة وفريدة من نوعها بالنسبة لي، فبالرغم مما رأيته في السجون، وفي صفوف المتعاطين الشباب، الا ان سفري لاثيوبيا ترك الكثير من المعاني والصور”.
من اطفال السيدا والملاريا، الى الاطفال الذين يموتون جوعاً ، منتظرين كسرة خبز او حفنة ماء كل يوم، عملنا لأكثر من 20 يوماً في خدمتهم وفي السهر على راحتهم في مركز متواضع، في محاولة لخلق بصيص من الامل في كل مكان”، تقول تامي، التي ظنّت لوهلة انها تعيش كارثة في بلدها. “الا ان اثيوبيا ودهاليز افريقيا كانت تخفي الكثير من الآلام، اذ شعرت بألم نفسي كبير في تلك البلاد، عندما لمست معنى الحياة والفقر والعوز والتعاسة الحقيقية”.
عائلات يلتهمها المرض، وتنهشها “قلة العيش” في زمن اصبح الفقير في لجة النسيان، في زحمة الازمات الاقتصادية، وجشع وحوش المال والاعمال.
هناك، كان شبح الموت يرقص في كل الشوارع، ويلوّح بيديه لسكّان تلك المنطقة، يسرقهم كلّ يوم على دفعات من احضان الامهات، وبين ازقّة اشتاقت للّعب والفرح، تراهم يصطفّون كأرتال تنتظر لحظة موحشة تنقلهم الى العالم الاخر.
وفي مركز الامّ تريزا، قابلت تامي في ديبري ماركوس في الايام العشرة الاولى اطفالاً مُصابين بمرض فقدان المناعة الايدز، ذنبهم الوحيد انهم ولدوا في رحم ارض قاحلة، يتسابق فيها المرض لينقضّ على الابرياء. “مسحنا عن وجوههم الدموع التي جفّت وملّت الوجع. زرعنا في نفوسهم القليل من الفرح الذي سرعان ما تبخّر فور عودتنا الى بيروت”.
قامت تامي واصدقاؤها بتعليم الاطفال بعض الاغاني، فرسموا على وجوههم ألوان فرحة افتقدوا اليها في ظل القحط الذي يعيشون فيه. “كل يوم كنت اكتشف اشياء جديدة في وجوه اولئك الاطفال، اكتشفت انهم اقوى منا بكثير، وارحم منا بكثير، يعيشون كالمحاربين، يحاربون المرض ويناضلون كل يوم من دون توقف”.
تضيف قزحيا: “شعرت بعاطفة كبيرة ومشاعر جياشية عندما كنت احمل كل طفل واحتضنه، لقد رأيت المسيح في كل روح كئبية هناك، ولمست معنى الانسانية الحقيقية في عالم موحش لا يعرف الكثير عما يختلج في تلك القارة السمراء”.
“المهمة الانسانية هذه اضافت الينا الكثير، علّمتنا كيف نكون اقوياء، وكيف نتفاعل مع الحوادث. فاولئك لم ينجوا من زلزال او من كارثة انسانية، انما ولدوا اصلاً في كارثة، وكتبت لهم الحياة طريقاً صعبة يشقونها كل يوم مع كل اشراقة كل شمس بمعاناة لا ولم تنته”.
قدّم الشباب بعض المساعدات المتواضعة، من ثياب وادوات طبية، فعادوا الى طفولتهم، وتصرفوا كالاولاد هناك. تلوا الصلوات مع الراهبات والرهبان، وتشاركوا الطعام مع الاطفال والامهات، عادوا الى ذواتهم هناك، واكتشفوا معنى الحياة والعطاء والحقيقيين، فأعطوا “حتى يوجع العطاء” كما قالت الام تريزا الراحلة.
مًستفزٌ هذا الشعور، وفق تامي، “شعرت بغضب شديد، وبعاطفة اشد، وسألت نفسي مراراً وتكراراً هل نعيش في عالم غير عادل؟ ولماذا كل هذا البؤس يا الله؟ وما ذنب هؤلاء الاطفال حتى يتألمون بهذا الشكل والى هذه الدرجة؟”.
“لم أخف من مرض السيدا واصدقائي، اذ قمنا باجراء فحوص ولقاحات طبية على مدى اسبوعين قبل رحيلنا الى اديس ابابا. لقد رأيت يسوع هناك، وتجاوزت كل الخطوط الحمر، لاكون معهم على مدى اسبوعين واكثر”.
في الايام العشرة الاخيرة ، انتقل الشباب الى مركز الام تريزا في اديس ابابا، الى مركز لمعالجة الاطفال الايتام المصابين بتشوهات خلقية، ليعودون ادراجهم بعد 20 يوماً متواصلاً من التطوّع.
تامي العائدة من “قارة الفقر”، تدعو الشباب اللبناني الى التطوع في كل المشاريع الانسانية، بدل الانخراط في الاحزاب والمشكلات الفئوية والاشتباكات. “فما ابشع مشهد ان نقاتل بعضنا كل يوم، ونحمل السلاح للدفاع عن شعارات بالية، وغيرنا على المقلب الاخر من العالم يدافع كل يوم عن رغيف الخبز بصمت لا يوصف”.
“سنكمل هذه المهمة، والقطار لن يتوقف هنا، على امل ان يساعدنا كل لبناني في اي مشروع جديد قد نقوم به في المستقبل القريب، فلنعش المحبة في كل مكان، خاصةً اننا في قرية عالمية واحدة”.
انتهت الرحلة الاثيوبية، ولكن الوجهة التالية ستكون الى الهند ودهاليزها، وفق تامي، التي شكرت مطرانية صيدا والاب ايلي نصار لدعمها الروحي المستمر. وهكذا تستمر “مهمة الاحسان” من لبنان الى كل بقعة في هذا العالم… حتى يوجع العطاء…

سلمان العنداري

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s