إنتَ مين؟ أنا ما بسأل، لكن حزنك قلليّ مين…

في إحدى الأمسيات، وبينما كنت اتنقل ما بين النشرات الإخبارية التي أهوى مشاهدتها وتحليلها، لفتني تقرير عن  شاب يدعى زكريَا سنجر 31( عامًا) أشعل النار بنفسه (طريقة تعبير مستجدّة عند الشعوب نشر بذورها الإعلام عبر شاشاته ) أمام مقرّ الحزب الذي كان ولفترة طويلة، عضوًا ناشطًا فيه، لإيصال رسالة الى المسؤولين  بعدما تخلَى  أفراده عنه وسرقوا منه ما إئتمنهم عليه من ناد للياقة البدنية كان يملكه ويدرّب  فيه، الى بطاقات مصرفية… وذلك حين كان يُعالَج في أحد المستشفيات بعد إصابته برصاصة في رجله في حوادث 7 أيَار التي كان يشارك فيها في الطريق الجديدة.
الشاب، الذي أصبح معوّقًا جسديًّا ومنسحقًّا نفسيًّا، لم يمت يومذاك بعدما تمّ إخماد النار في جسده ونقلِهِ الى مستشفى متخصص بالحروق ليرقد فيه  9 أيّام في الآلام والأوجاع.
تأثّرتُ لوضع زكريّا وقررت زيارته لمواساته وعرض المساعدة على عائلته، ولكن كُنيَتي وعملي في قطاع رسمي خدماتي كانا رادعًا قويًّا لإقدامي على الخطوة.
الأولى أُعتبر فيها أنّني أنتمي تلقائيًّا الى التيارالخصم للحزب الذي ينتمي اليه زكريّا، وبذلك يمكن أن أواجه الاهانة أو الطرد من عائلته، والثانية اني أتيت بمهمة رسمية للمساعدة وعندها سأتعرّض للمساءلة وربّما للعقوبة القانونية.
وبعد مرور أكثر من أسبوع على الحادثة  كنت اتصلت بالقناة التلفزيونية التي نشرت الخبر لمعرفة مكان رقود زكريّا، قررت زيارته  بعدما اتصلت بالمستشفى لمعرفة مواعيد الزيارات وما إذا كان زكريّا لا يزال هناك، وكان نهار السبت 11 آب 2012 الساعة 17.30 عصراً.
نزلت الى الطبقة المخصصة للمصابين بحروق طالبةً الى الله أن يسهّل أموري، سألت عن غرفة زكريّا، وبعدما وجدتها قابلني شاب عشريني أمام الغرفة تبيّن بأنّه أخ زكريّا، يسألني عن هويّتي وسبب زيارتي فأجبته بكلّ بساطة عن اسمي (بدون الكنية) وكيف أنني شاهدت التقرير التلفزيوني فتأثّرت وأردت زيارة أخيه، فوافق وأدخلني، علمًا أنّه يمنع دخول أكثر من شخص واحد في كلّ مرّة عند دخولي الى الغرفة فوجئت بشاب جالس على الكرسي محروق اليدين يساعدونه في الأكل، فابتسمت له وسلّمت عليه  تخيّلاً منّي بأنّه زكريّا، وكنت مسرورة لتحسّن حاله فإذا بأخيه يطلب منّي الإستدارة الى جهة اليسار حيث يرقد أخوه. وكم كانت صدمتي كبيرة حين رأيت شابًّا مغمّض العينين، جسمه ملفوف كمحنّط مستعد للرحيل عن هذه الدنيا وقذارتها!
لبست الثوب الزهري واقتربت من سريره وحاولت لمس يديه لعلّه يشعر بمواساتي، لكنّهما كانتا ملفوفتين بطن من الشاش. فوقفت قليلاً اتأملّه ثمّ قررت الخروج لكيّ يتسنّى  لباقي الأسرة زيارته لكنّ أخوه تعاطف معيّ وسمح لي بالبقاء كونه لم يكن هناك أحدًا من الأسرة، وكأنّ الله كان يساعدني في إتمام مهمتي فدخلت ثانية وقررت هذه المرّة الاقتراب من وجهه، الجزء الوحيد الظاهر من جسمه، مع أنّه لم يسلم من الحروق أيضًا، وأخرجت من محفظتي خيطًا مقدّسًا من القديس شربل ولففته حول سريره الى مسبحة الصلاة وأخذت أصليّ ودموعي تنهمر فوق سريره وأنا أرى قلبه ينازع في صدره. لم أكفّ عن رسم إشارة الصليب على جبينه طالبةً من الله والقديسة ريتا أن يشفياه أو أن يريحاه من عذاباته وينتقلا به الى الملكوت السماوي، أو إذا كان لا بدّ من أن تكون هذه الآلام لتطهيره من خطاياه الأرضية فليكن هذا مطهره. ولكن في النهاية كان لا بدّ من التسليم لمشيئة الله الحكيمة والرحومة.
وقبل انتهاء وقت الزيارة رسمت إشارة صليب أخيرة على جبينه من خلال المصلوب المعلّق في المسبحة، ووضعت أيقونة العذراء العجائبية على سريره. من ثمّ خلعت ثوب الزيارة وتوجّهت الى أخيه، شاكرةً إياه على السماح لي بالبقاء مع زكريّا طيلة هذا الوقت، سائلة ما إذا كان يريد أن نتحدّث، فتوجّه بيّ الى الصالون حيث جلسنا لساعة من الوقت، عرفت في خلالها الكثير عن حياة زكريّا، ولكن أسباب الحادثة لم تكن واضحة لأخيه، فهو كان يردّد أمامي بأنّه ينتظر بأن يستفيق زكريّا للإستفسار منه عمّا جرى.
توجّهنا بعدها معاً الى بنك الدم بعدما تمّ إبلاغ أخيه بأنّ زكريّا في حاجة الى وحدة دمّ كونه كان يعاني من فقر في الدمّ بسبب كثرة الالتهابات، ولكن بسبب الإرتفاع الشديد في حرارته لم يكونوا يستطيعون نقل الدمّ الى جسمه . بعدها  ترافقنا الى باب الخروج حيث عرضت عليه إيصاله الى المنزل كونه لا يملك وسيلة نقل وكانت الساعة الثامنة مساءً .
في الساعة اياها من اليوم التالي، سمعت الخبر المفجع على المحطة التلفزيونية عينها: رحل زكريّا!
إتّصلت بالمستشفى للإستفسارعن الموضوع فقيل ليّ أنّه توفي الأحد 12 آب 2012 الساعة 12 ظهرًا علمًا أنّ وقت الزيارة يبدأ الساعة 12، أيّ أنّ أحدًا لم يستطيع توديعه قبل موته، وأنّني كنت آخر من رأى ولمس وصلّى لزكريّا قبل أن يُِسلم الروح، وكأنّ روحه أبَت أن تترك هذه الأرض قبل أن تُطَّهر بالصلاة.
رحل زكريّا …
رحل الشاب الرياضيّ عن عمر 31 عامًا .
رحل وأخذ معه سرّ حادثته، لكنّه لم يأخذ وحدة الدمّ .
رحل قبل أن يتعرّف عليّ شخصيًّا لكنّ روحه تعرّفت عليّ بالصلاة.
رحل علّ أن تكون رسالته لم ترحل معه بل وصلت الى آذان وأذهان شباب هذا البلد.
رحل زكريّا …. لكن أنا بالتأكيد، وصلتني الرسالة!

(قصة وداع  زكريّا سَنجَر)
زلفا عون

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s