لائحة سوداء في ملف منع التدخين

نجحت الدولة اللبنانية، حتى الآن، في فرض قرار منع التدخين في الأماكن العامة المغلقة. نجحت جزئياً، اذ لجأ معظم المطاعم والمقاهي الى فتح النوافذ الزجاجية واعتبار الصالات مفتوحة. وفي هذا تخفيف من بعض ظلم يدعونه، وتحايل مقبول على القانون، شرط ان لا يلجأ هؤلاء الى قفل النوافذ مع حلول برد الشتاء، والإبقاء على التدخين القاتل. فتعود حليمة الى عادتها القديمة، ويدخل القانون 174 في متاهات النسيان كغيره من القوانين التي تبدو كأنها محددة في الزمان والمكان. خصوصاً المكان، اذ تنفذ القوانين غالباً في بيروت وجبل لبنان، حيث لا ميليشيات ولا مسلحون يفرضون واقعاً جديداً بقوة السلاح، وحيث لا أجنحة مسلحة تخترق القوانين وتتجاوزها ساعة تشاء.
كنت من المنتقدين لتوقيت تنفيذ القانون، وتحدثت عن الملوثات الكثيرة التي تصيبنا كل يوم، من الدخان الأسود القاتل الصادر عن الإطارات المشتعلة، الى دخان عوادم السيارات والشاحنات، الى المعامل، ومنها معمل الزوق الحراري، ودواخين المستشفيات التي تحرق نفاياتها الطبية، وكلها أمور ضارة قد لا تتمكن الحكومة من معالجتها. لكن لنبدأ بالمقدور عليه. واذا كان لدينا مئة سبب للأمراض السرطانية وتمكننا من جعلها 99، فإننا نكون قد خطونا خطوة الى الأمام. لم لا؟ خطوات بطيئة أفضل من لا شيء.
تحرَّك أصحاب المطاعم فهددوا وتوعدوا، ومنهم من لا يكتفي بتقديم النراجيل بل “يلغمها” وفهمكم كفاية! وفي هذه الجريمة عقاب قانوني صارم، لكن أحداً لم يكن يراقب ليحاسب…
تحرك أصحاب المطاعم فهددوا وتوعدوا، وتحدثوا بلغة نابية وسوقية، حتى أشعرونا بأننا عندما نقصد الأماكن التي يملكونها أو يديرونها، فكأننا ذاهبون الى مركز مافيوي يمكن ان يتحول سجناً ومعتقلاً في كل لحظة. والخاطفون هم أصحاب المطاعم، ومنهم مجموعة ميليشيوية “تبيّض” أموال الحروب في مقاه وملاه، وتؤازرهم قوة ضاربة من شباب “الفاليه باركينغ”، وهم أيضاً بقايا ميليشيات، أو ميليشيات مستحدثة نشأت ما بعد الحرب وحظيت برعاية رسمية، سياسية وحزبية، تضمن لها، ليس فقط العمل، وانما السلطة-سلطة الشارع في خدمة عدد من الرؤساء والزعماء.
حتى شركات الأمن الخاص تحركها رؤوس أموال سياسية، ويتعاون فيها الخصوم والأضداد، لأن المصالح تتخطى السياسة وتظل فوق الجميع.
لنعد الى موضوع التدخين. قلت اني انتقدت التوقيت وسخرت من الخطوة انذاك. لكني اليوم أؤيدها تماماً، لما فيها من فوائد تهم المجتمع بكل فئاته،  وأدعو الحكومة الى عدم التراجع عنها، لأن كل تراجع لا يعني نزولاً عند رغبة أصحاب المطاعم فقط بل سقوطاً أمام رشوة من شركات التبغ وتراجعاً أمام المعترضين على كل خطوة قانونية. واذا حدث ان عاد الوزراء والنواب عن قرارهم ففتشوا عن المال الرشوة، أو عن المصالح الإنتخابية، لا عن اقتناع بضرورة مساعدة أصحاب المطاعم والملاهي وتقدير ظروفهم المعيشية.
بالأمس سمعنا ان وزيراً أعد مسودة لتعديل القانون، وان نائباً شاباً وعصرياً كما يقوم نفسه، رفض التوقيع على عريضة لمنع التعديل، ونائباً آخر وعد أصحاب المطاعم بدعم تعديل القانون ولكن من دون اثارة الضجيج…هؤلاء يستحقون ان توضع أسماؤهم في لائحة سوداء، وسنطلقها في “نهار الشباب” وسنزيد عليها الإسم تلو الآخر في كل اسبوع، حماية للمواطن اللبناني من التدخين، ومن آفة السياسيين الذين يبيعون أنفسهم لشركات التبغ.

غسان حجار

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s