تظاهرة نصرة النبي في الضاحية الجنوبية: “شاركنا تلبية لدعوة السيد نصر الله”

تنتعل كعبا عاليا وتمشي بخطى بطيئة. تضع نظارتيها الشمسيتين على عينيها حينا، وعلى شعرها احيانا. لون كنزتها الصفراء جعل منها جزءاً من المشهد. طلاء اظافرها بارز للقريب والبعيد. لا شيء في مظهرها يدل على تدينها. تسير ومن حولها عشرات المحجبات. ترتفع قبضتها اليمنى متناغمة مع شعارات يطلقها احدهم عبر مكبرات للصوت وضعت اينما كان، “لبيك يا محمد”.

كتلك الفتاة حضر الآلاف من الجنسين، بعضهم غير مهتم بالعنوان الديني والبعض الآخر لم يشاهد الفيلم ولم يدرك تاليا حجم الاساءة. شاركوا جميعا مشكلين شبكة تظاهر جاهزة دائما لإيصال رسائل الى كل من يهمه الامر. ساروا وهم يعلمون ان لا مجال للحياد عن الخطة المرسومة، مظهرين بما لا يقبل الشك شكل “الكودرة” عندما تتجسد في مجتمع.
حتى الغضب هنا اصبح منظما. حتى الاعتراض بات منضبطا، وكأن الاحتجاج خلع عنه رداء العفوية. هنا الضاحية، اوتوستراد هادي نصر الله، ومن هنا مرّ جميع المتظاهرين احتجاجا على الاساءة الى النبي، او الاصح تلبية لدعوة الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله.
لم نشاهد في الضاحية ما شهدناه في العديد من التحركات الاحتجاجية في القضية ذاتها، هنا المشهد كان مختلفا. فـ”حزب الله” حرص وكالعادة على صورته. تظاهرة حشدت مئات الآلاف سارت في خط رسم لها مسبقا، من دون ان يخرق صفوها الا بضع طلقات سمعت من بعيد بعد اطلالة السيّد نصر الله مباشرة امام الحشود.
في شوارع الضاحية، بدى كل شيء محضّراً. الاعلام، الشعارات وحتى سلوكيات المشاركين الذين لم يظهر انهم غاضبون، لم يظهر انهم ثائرون. ساروا رافعين قبضاتهم في تنظيم مبالغ فيه، وفي انضباط لا يدل على رد فعل اناس غاضبين. عند الخامسة بدأت الاحاديث بين المتظاهرين، والهمّ واحد “رح يحكي السيّد؟”، امر كان في حصوله فقط، يستطيع المشاركون الاستحواذ على مكافأتهم، كما يقولون، فهؤلاء نزلوا اولا لأن الامين العام دعا الى  التظاهر، اما الـ”ثانياً” فتأتي نصرة النبي، والا بماذا يمكن تبرير تأخر ردّ الفعل على الفيلم المسيء للنبي كل هذا الوقت. ومن هنا لم يكن مستغربا ان يجيب معظم المتظاهرين لدى سؤالهم عن سبب مشاركتهم، “لأن السيّد طلب ذلك”.
لوهلة كاد كل من سمع شعار “لبيك يا رسول الله” يرفع بأصوات الآلاف في شوارع الضاحية امس ان يظنه “لبيك يا نصر الله”. اساسا ليس في الخلاصة فرق، فتلبية لدعوة نصر الله تحركت الجماهير رافعة شعار “لبيك يا رسول الله”.
لم يكن صعبا على متابعي مواقع التواصل الاجتماعي ان يلاحظوا صباح امس مدى انتقاد مناصري “حزب الله” لتصرفات المحتجين في طرابلس “التي لا تليق بالنبي” كما وصفوها، ولم يكن صعبا ايضا ملاحظة المقارنة التي اراد هؤلاء اقامتها مع تحركهم الآتي عصرا. “كان يجب ان نمر من جانب الـKFC لنري العالم كيف يكون الاحتجاج حضاريا”، يقولها احد المشاركين متحدثا الى صديقه الذي يجيب “هم هتفوا ضدّ البابا، اما “السيّد” فانتظر مغادرة البابا لبنان قبل الدعوة الى التظاهر”، هنا ايضا اختصرت كلمة “السيّد” الضمير “نحن” التي تختصر بدورها جميع من لبّى الدعوة.
على وقع الهتافات المختارة بعناية فائقة صرخ المشاركون، “لا كلمة بالزايد ولا اخرى بالناقص”، كان “الأخ” قائد الاوركسترا غير مرئي لمعظم المتظاهرين، كانت نبرة صوته المضاعفة عشرات المرات عبر مكبرات الصوت، تتحكم بأصوات الهاتفين، يحمسهم حينا ويريحهم احياناً، يطلب رفع القبضات وقت اللزوم ويتناساها عندما يجد ان في رفعها “لزوم ما لا يلزم”، حتى هنا لا مجال للارتجال، فالحزب بدا كمن يحاول استعادة بعض ما خسره سابقا لدى الشارع العربي السنّي عبر مواكبته للتحركات دفاعا عن العنوان الجامع “محمد”، وتاليا فهو امتلك ورقة لن يتركها سريعا ولذلك لا يريد تحمل تبعات زلة لسان من هنا او زيادة في منسوب الحماسة لدى بعض الشباب هناك.
وصلت التظاهرة الى نقطة النهاية، حيث كان السيّد نصر الله اكثر المتحمسين إذ تجاوز  جميع المشاركين، محاولا توجيه بوصلة المحتشدين غير المتحمسين، “اخاطر بروحي من اجل النبي” قالها السيّد، لكن رد الفعل جاء معاكساً “لبيك يا نصر الله”. نسيت الجماهير العنوان الرئيسي بعد خطوة السيّد، وعوض ان ينصب الاهتمام على مسألة الاساءة الى النبي انصب، وبطبيعة الحال، على اطلالة السيّد الذي اعاد المشاركين الى حيث يتحمسون، الى صاحب الدعوة دون عنوانها.
استطاع نصر الله في الدقيقتين الاخيرتين من خطابه تنويم الحشود مغناطيسيا. استطاع السيطرة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى على سلوكيات الجماهير، على وعيهم ولاوعيهم، حتى مرافقه الشخصي الذي يمتاز بإحترافية عالية فشل في السيطر على تعابير وجهه التي اظهرته متأثرا، منبهرا. اصبح نصر الله عند انتهاء خطابه هو الحدث، اساسا هو كان دائما كذلك في نظر جمهوره.
استطاع “حزب الله” ايصال رسائل عدة عبر شوارع الضاحية امس، لعل ابرزها ان “الشارع، شارعنا لا يزال تحت سيطرتنا”.

علي منتش

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s