جمهورية “ضبيّة” ورواد عالم الليل الساتر المكان: الضبيّة، قضاء المتن، محافظة جبل لبنان في الجمهورية اللبنانية.

الزمان: في أوقات سواد الليل المتّشح على شاطىءٍ منسيٍ في المساء، ساقطٍ من حسابات أصحاب الجيوب المتخمة وبعيدٍ من علم أصحاب الكراسي اللاصقة.

هناك، لا مكان للعيب وللممنوع، لا مكان للضوء أو لأّي نورٍ يخرق ديجور المخفيّ تحت ستائر الكبت ومظلة الفقر. في الضبيّة، تشعر وكأنك في إحدى أزقّة شيكاغو الضيّقة، أو كأنك في زيارةٍ أميريكيةٍ خاطفة إلى شارع البرونكس في نيويورك. الوجوه هناك مختلفة، الكلمات مختلطة اللكنات، حتى الأغاني المسموعة تأتي من ثقافة الناس الغريبة عن بيروت الكبرى والجوار. هناك، نجح الكبت الإجتماعي –الجنسي أن يجمع من فرقتهم متاريس المناطقية و حواجز الإنشقاق السياسي الكبير، فالطوائف والأديان، المناطق والإنتماء السياسي لا تجد لها خبزاً في مطاحنهم، هم من يزورون كورنيش المارينا في الضبيّة لينعزلوا عن عالمٍ يبعد عنهم في الجغرافيا نحو كيلومترين،  وفي أسلوب الحياة، بمساحاتٍ ضوئيةٍ بعيدة. في الضبيّة أيضاً تجتمع جامعة الدول العربية في ناسها من دون لجان متابعة، ومنابر نفاق و مؤتمرات ووعودٍ تزرع وعد “الكمّون” في أرضٍ بور. العراقي، السوري (شبيحة و جماعة مسلّحة)، الاردني، المصري (أخوانيٌ وفلول)، الخليجي أو كما ما يُسمى هناك ب”كيس المصاري”، وجديد لائحة الأطباق هو “الإيراني”، لمَ لا؟ فالساحة اللبنانية تسع الحليف اللدود والعدو الصديق، ونيال يلي إلو مرقد عنزة…في ضبيّة.
عند وصولك إلى أرض ميعاد المتعة “ضبيّة”  تبدأ مشوار الزيارة من أوّل الكورنيش من جهة المشروع السكني، ومن الأفضل لك أن تأتي بمرشدٍ سياحي من بين خفافيش ليل المتعة الممنوعة. أحمد، وهو واحدٌ من أهل الدار، رافقنا في زيارةٍ ميدانيةٍ لمارينا ضبيّة لكي نتعرّف على هذا المعلم اللبناني “السهل الممتنع”. في أول الكورنيش حيث الإضاءة التي يتكرّم بها المشروع السكني، لا تبخل على الناس هناك بوميض نورٍ ينوّر عليهم سهرتهم البحرية. الزوار هناك من نوع “تي رشرش” ، نراجيلُ والعة لا تعرف زمن منع التدخين ولا تعرف إستكانةً أو راحة، سياراتٌ مشرّعة الابواب تخرج منها موسيقى تشبه الناس هناك. حلقاتُ دبكة والجلسة لا تحلو إلا بالخمر والطعام، وشرب نخب هذا الوطن الحبيب، حيث الحرية تطفو كنقطة زيتٍ في كوبٍ ممتلىءٍ بالماء العربي الدكتاتوري. شباب وصبايا يجلسون على حافة الكورنيش، في جماعاتٍ متنوّعة، وعند إقترابنا منهم وسؤالنا لهم عن المنطقة التي يأتون منها، إكتشفنا أنهم من أطياف الوطن كله. منهم من أتى من عكار، قاد سيارته لمسافةٍ طويلة ليبتعد عن عيون أهل المنطقة الذين يعرفونه أو يعرفون “إبن من يكون” بحسب تعبير أحدهم، فعكار ملهية بقضايا الثورة السورية، كما بهموم إنمائها الذي نسيته دفاتر الوزراء، وطال غيابه عن مشاغل دولة المركزية الإدارية ،ومركزية المراكز، وركيزة الركازة السياسية.  البعض الآخر أتى من صور، فهواء بحر الضبية “غير شكل”، ربما لأنه يحمل معدّل رطوبةِ حريّةٍ أكثر من بحر صور، الناشف جراء أحزابٍ وجماعاتٍ تفجّر المقاهي التي تقدّم الكحول، ربما لأنها تعيش جوّ قندهار أو زمن الخليفة المنصور.
في الطرف الأول من الكورنيش لا تلاحظ أيّ عملٍ خادش (وفق وصف المفهوم اللبناني- العثماني)، فالناس هنا هم الدراويش الذين لا يستطيعون تحمّل ثمن البنزين حتى ليعلقوا في زحمة سير الجميّزة فكيف لهم أن يدخلوا ملاهيها “الباريسية” الغلاء. الضبيّة هي ملهاهم الوحيد، الخدمة هنا “سيلف سيرفيس” كل واحد يخدم نفسه، الطعام مشاركة، والمزاج هو في الجَمعَةِ. ولضغوط الأسبوع كله مكان واحد يتفجّر فيه وهو الكورنيش، فتاة ترقص على الحافة، شباب يلوّح مرندحاً وأهلاً بكم إلى أرخص ملهى ليلي في لبنان.
وإذا إنتقلت إلى المقلب الآخر، أي إلى نصف الكورنيش، تكون الظلمة قد بدأت تتسللّ خلسةً الى مقاعد العشاق الحجريّة. فعلى صوت خرير مياه المجارير المتدفّقة نحو البحر الملوّث يحلو الحب وتلتهف القلوب الساخنة. الجهة المتوسطة للكورنيش هي منزل المغرومين المتيّمين، كل شاب وصبية متعانقين مع بعضهما، قبلات حارة، ومداعبة من تحت الملابس. جلسة “غير شكل” على حائط المارينا الممتلىء بالرسوم والكلمات النابية. هناك لا أحد يقبل بالتحدّث، لأن الجميع ملتهي بممارسات الإشتياق والهيام. تفصل مسافة الخمسين متراً بين كل زوج عشّاق، وتختلف المساحة بحسب إختلاف عدد الأشخاص، وهذا الاخير يختلف بحسب المواسم والأحوال الجوّية. يقابل هذه الجهة من الكورنيش، سياراتٌ مركونةٌ على الأطراف، تملؤها عبقة لهث الحب وحنينه، تهتزّ بإستمرار على نغمات دقات القلب، يقاطعها في بعض الاحيان مرور سيارة الدرك، التي تكزدر أكثر من زوّار الضبيّة. فحسب قول احمد (مرشدنا السياحي)الخبير بقضايا التخفّي والهروب، فإن سيارة الدرك ضيفة هنا، عندما تظهر آتيةً من بعيد، يمكن للجالسين في السيارة أن يوقفوا كل ما يقومون به بعد ملاحظتهم لضوء الإنذار الواضح، القادم من بعيد، فتُفتح الشبابيك وتتبخّر عبقة الحب الملتهب، تعود الملابس إلى الأجساد، لتصبح الجلسة شرعيةٌ ناصعةُ قانونية، لا غبار عليها ولا من يحزنون. وزوار الجهة المتوسّطة من الكورنيش، هم أيضاً ينتمون إلى فريق “الأكثرية”، الطبقة الوسطى سابقاً، والفقراء حالياً ويعود الفضل بذلك إلى أقليات وأكثريات السياسة والسياسيين. عشّاق ضبية هم من لا يملكون ثمن إيجار شاليه أو غرفة في فندق، والغريب في الامر أن من بينهم متزوّجيين، وزيارتهم للكورنيش هي بهدف الخروج من خنقة الروتين، والهروب من سجن الحارات الضيّقة. يقول أحمد، أن هناك البعض من أصحاب السيارات الفخمة يأتون إلى المنطقة الوسطى للكورنيش، وهدف معظمهم هي مغامرة الشارع وطعم الحب الممزوج برطوبة البحر ونسمات التغيير والتجديد.
وختامها مسك، في الطرف الأخير للكورنيش ألف قصةٍ وألف غصّة. هناك يكون قمر الظلمة قد إكتمل. هناك ليس ملجأ الفقراء ولا العشّاق، هناك هو ملجأ الكبت الجنسي ومن نوع الإكسترا، ومن مستوى الزنّار ونزول.
في هذا المكان اللبناني- العربي، يختلف عليك المشهد عن سابقاته. ومن دون مرشدٍ ولا خبير، تلاحظ كثرة الشباب على الطريقة الفردية. تمشّينا بينهم لنعرف تماماً ماذا يجري. هناك، تعرف من نظراتهم أنهم يحدثونك بلهجةٍ جنسية، تدرك من أصواتهم بأنهم ليسوا هواة بحرٍ ولا ممارسين لرياضة الركض على الكورنيش، وتكتشف من كلامهم من أنهم من كل الجنسيات العربية. القسم الثالث من الكورنيش هو قسم المثليين الجنسيين، والدعوة عامة.
هنا، يتعرّف المثليون الى بعضهم البعض، وأكثريتهم لا يخافون الكلام ولا التعبير. ربما يعود السبب إلى جوّ الحرية العام التي توفره المنطقة. أو ربما لأن الشخص المقابل لك لا بد أن يكون مثلك، و”يلي متلنا تعوا لعنا”. وزوار هذا المكان أنواعٌ مختلفة، فمنهم من يذهب لعلاقةٍ عابرة، لليلةٍ واحدة وبأسماءٍ وهميةٍّ. طوني (26 سنة) هو واحد منهم، عند وقوفي على الحافة هناك، إقترب منّي بهدف التعارف وأكثر…
وعند الإستفسار عن الكثير من التفاصيل، فهمت منه بأنه يأتي إلى هنا ليتعرّف الى رجال لكي يقضي معهم ليلةً جنسية، إما في السيارة ولكن بعيداً عن ضبيّة، وإما في منزله في حال إرتاح لشكل الشريك، وأوحى له بأنه “إبن عيلة”.  وطريقة التعارف سهلة حسب وصفه، تنزل من سيارتك وتقف عند الحافة وتنتظر الشخص المناسب، أو تتمشى ذهاباً وإياباً حتى تقع عينك على “البضاعة” المرغوبة، وبعد نظرة وإبتسامة، يكون التعارف ومن ثم الصعود إلى السيارة. أما النوع الثاني، فهو نوع السياحة الجنسية، وهنا تجتمع الجنسيات العربية المختلفة لتعيش الربيع العربي الجنسي بإمتياز. عمّال سوريون، مهجّرون عراقيون، ورجال من التبعية المصرية. لأن المعاش لا يكفي في هذا البلد الفاحش في غلائه، فبيع الجسد هي الوظيفة الأخرى، بقشيشها جيّد، لا ضريبة على الدخل، وفوقا حبّة مسك. والأسعار تختلف بين شخصٍ وآخر وذلك وفق شكله و”مؤهلاته”. أما النوع الثالث من الزوّار، فهم من أصحاب المقامات الرفيعة والمناصب المرتفعة. ولا أحد يعرفهم من يكونون، لأنهم يركنون سياراتهم الفخمة على الطرف ولا ينزلون منها خوفاً من أعين الحسّاد، فينتظرون أن تقترب “البضاعة” إلى شباك السيارة، يتّفقون معهم على التسعيرة و “الزبون دائماً على حق”، هؤلاء هم من يجلسون في مكاتبهم خلال النهار، ببذاتٍ ثمينة وسيجارٍ مستوّرد، يتحوّلون في الليل محبين للفقراء وللشوارع الفقيرة! . ومن أكثر المشاهد المؤلمة التي رأيتها هناك، هي صبيٌ من العراقيين المسيحيين، يبلغ من العمر أربعة عشر سنة، يأتي إلى المارينا لكي يؤمن المال لأمه المريضة وأخواته القاطنين في برج حمّود، وعند حديثي معه أحسست بغصةٍ في حلقهِ من طعم مرارة الحرب، ومرّ التهجيروالقهر، لأنه يدفع أثماناً ورثها، ويحمل صلباناً ليست مفصّلة على قياس أكتافه. شعرت حينها أن الظلم في لبنان كالوباء، ينتقل من جسدٍ إلى آخر، من المواطنين، إلى الزائرين وحتى إلى المارين مرور الكرام. والجديد في الضبيّة هو زيارة بعض الإيرانيين للمكان، لأن الفرسان هنا أجمل من فرسان بلاد الفرس، ولبنان بلد “شقيق”  يعيشون معه على الحلو القليل والمرّ الكثير.
إنها الضبيّة، ضمن نطاق الأرض اللبنانية، مرتعاً للهاربين من شقاء العمل، ملجأً للفقراء الباحثين عن متعةٍ قصيرة، ودار المثليين في بلد “المثاليين”. إنها الضبيّة، تشبه لبنان بفوضويتها، إختلاطها، جنونها و شواذاتها. هي قريبة من الأوتوستراد تشاهدها من بعيد، ولكنها على بعد مسافات كبيرة جداً من الموجود أقلّه في العلن. مارينا ضبيّة، تجمع الطوائف والمذاهب، تجمع الفقراء وبعض الاغنياء، تجمع المناطق كافة والتيارات السياسية جميعها. مارينا ضبيّة تجمع العشّاق وروّاد عالم الليل الساتر. هنا يتّحد الجميع تحت سماءٍ لا تميّز ولا تعاقب.
فأهلاً وسهلاً بكم في “جمهورية ضبيّة المتّحدة

بدر جورج غانم

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s