“مقداديون” خارج “الجناح العسكري”: كيف نمحو وصمة عار عن جبين العائلة؟

في المدة الأخيرة، استيقظت العشائرية مجدداً في لبنان، في مشهد اعاد البلاد الى زمن مضى… عشيرة آل المقداد بجناحها العسكري خطفت مجموعة من السوريين رداً على خطف ابنها حسان في دمشق.

تعددت الآراء داخل العائلة نفسها حول ما حصل. البعض اعتبر ان ما قام به أفراد من العائلة يمثلهم، وان “خطف حسان كان يجب الرد عليه بهذا الشكل حتى يعي الجميع ان آل المقداد خط احمر”، والبعض الاخر من “الشباب المثقف” في العائلة رفض ما حصل “لأنه مناف لمنطق التفكير السليم، فالعشيرة لا يمكن ان تقفز فوق اسوار الدولة وتعتدي على الناس بهذه الطريقة”.
تحدث “نهار الشباب” الى عدد من شبّان آل المقداد الرافضين لمبدأ الخطف والتسلّح والتهديد، فعبروا بكل صراحة عن آرائهم، مطلقين صرخة الى افراد عشيرتهم من جهة، والى كل مكونات المجتمع اللبناني والعربي.
داليا المقداد، خريجة صحافة وناشطة في المجتمع المدني، تعتبر انه “من المعيب جداً ان نفكّر بمنطق العشائر في سنة 2012، وخصوصاً اننا نعيش في دولة قانون ومؤسسات ونظام، ومنطق الخطف والتهديد لا يجوز بتاتاً”. وتضيف: “اعتقد ان ما حدث يوم 15 آب الفائت كان مهيناً للدولة ولآل المقداد على السواء”.
اما محمد المقداد، الموظف في احدى الشركات العقارية، فيرفض جملة وتفصيلاً مبدأ الخطف “لأنه لا يؤدي الى نتيجة، مهما كانت حدة المواقف وعجز الدولة. انه مبدأ لا انساني وخارج عن القانون والانظمة، اذ كان من المفترض اللجوء الى الجهات الرسمية منذ اللحظة الاولى لاختفاء حسّان، بدل “اصطياد” الابرياء السوريين والخطف على الهوية”.
“حسّان مش هيك بيرجع”، يقولها محمد بكثير من الغضب، مؤكداً حرصه على عودة ابن العائلة “لكن ليس بهذه الطريقة من ردود الفعل غير المدروسة”.
كانت نضال غارقة في نوم عميق عندما وصلتها رسالة نصيّة على هاتفها من صديقتها تسألها عن “الجناح العسكري” للعائلة، لتتفاجأ “بالصور المسيئة وبالفعلة المشينة” التي قام بها أفراد العائلة على مرأى من العالم اجمع.
ونضال طالبة العلوم الاجتماعية، تناصر الفكر اليساري وتعمل على “محاربة” المنطق العشائري والطائفي الضيق، وتؤكد “اننا مع الدولة بالحد الادنى بغض النظر عن طبيعة الفريق الحاكم واداء الطبقة السياسية، وتالياً فإن طغيان ثقافة العشائر على ثقافة الدولة سيوقع بنا في قعر الهاوية، وسيؤدي الى انفراط العقد الاجتماعي في ما بيننا كمكونات وجماعات ارتضت ان تكون تحت مظلة واحدة”.
“الموضوع كلّو غلط بغلط” بالنسبة الى محمود المقداد، الطالب في كلية الحقوق والعلوم السياسية، الذي يشدد على ان “أحداً لا يمثلنا، لا البارودة، ولا التهديد او الوعيد، والاجنحة العسكرية التي خرجت على الشاشات بالاقنعة، انتهت مع انتهاء الحرب الاهلية البشعة، ولن نسمح بعودتها من بوابة عائلتنا بأي شكل من الاشكال، اذ ان بعض الاشخاص استغلوا اسم العشيرة واستعملوها وقوداً لأزماتهم وسياساتهم”.
هيفا المقداد، خريجة علاقات دولية وتعمل مدرّسة في احدى المؤسسات، ترى ان “العنف لا يبرر الا العنف والتطرف سيقود الى تطرف آخر، وما شهدناه أخيراً عبارة عن كابوس جديد من التقاتل العشائري والحزبي ضد الدولة والنظام، والخوف ان يُعمّم هذا المنطق، ويتحول التخاطب السياسي والاهلي من لغة الحوار الى لغة العصابات واولاد الشوارع والاقنعة”. وفي هذا الاطار تشير هيفا الى تقاعس الدولة في معالجة قضية الخطف لانها لم تعمل على حلّها منذ اللحظة الاولى لشيوع نبأ خطف اللبنانيين الـ11 والتي تلتها سلسلة اخرى من العمليات الثأرية.

تواصل

في ظلّ هذه الصورة، تسعى مجموعة من الناشطين في العائلة الى تحسين صورتها ورفع الصوت للاعتراض على ما قام به “الجناح المسلّح”، اذ تمّ تأسيس صفحة خاصة على موقع “فايسبوك” للتواصل الاجتماعي بعنوان “شباب آل المقداد المستقلون”، للقول ان “انتماء آل المقداد هو الى الدولة والمؤسسات، وان ما حدث أخيراً مرفوض ومستهجن، واننا اولاد جامعات وثقافة، ولنا سيرة ذاتية نظيفة وطويلة من الانجازات الوطنية والعلمية على كل المستويات، وبالتالي فان ما حدث برمّته لا يمثّلنا ولا يمتّ لنا بصلة”.
ويشير محمود الى “اننا لا نفكر حالياً في اي تحرك على الارض خارج نطاق فايسبوك، لاننا على علم مسبق اننا سنُواجه باتهامات باطلة، منها التخوين، المصحوب بالتهديد والوعيد من الذين يُناصرون الخطف والعنف ويدافعون بشكل أعمى عن العشائرية”.
اما داليا فعكفت على التغريد على موقع “تويتر” على مدار الساعة للقول انها ضدّ ما جرى “مع الاشارة الى انني تلقيت عدداً من التغريدات تسألني عن موقفي من العشائرية وعن شعوري بكوني انتمي الى آل المقداد، كما إطلعت على بعض الآراء المؤسفة التي تسيء الينا وتشملنا بالخاطفين وجناحهم العسكري”.
يقول محمد: “لقد تشوهت سمعتنا بعد شيوع نبأ الخطف، وبعد ظهور الملثمين على الشاشات، وبعد التهديدات التي اطلقت ضد ضد الرعايا الاجانب واللبنانيين”. ويضيف: “لقد تضررنا مما حصل أخيراً، اذ تكسّرت صورة العائلة وتهشّمت في اوساط المجتمعين اللبناني والعربي، وبات اسم آل المقداد يرتبط بالخطف والقتل والثأر”، مُطلقاً صرخة الى “كل وسائل الاعلام لنقل الصورة الايجابية عن العائلة، وايصال رأي شريحة كبيرة وواسعة من الشبّان التي تعترض على القفز فوق الدولة”.
ما حصل وصل الى حدّ فقدان بعض الشبّان لعمله ولمصدر رزقه، اذ يكشف شاب من آل المقداد يعمل في أحد مطاعم وسط بيروت منذ اكثر من ثلاث سنوات، ان زملاءه ومديره في العمل باتوا ينظرون اليه نظرة غريبة فيها الكثير من الخوف والحذر لمجرد انه يحمل اسم العائلة، وانه تم فصله من عمله نتيجة الهواجس التي تكاثرت وتضاعفت بعد “اعلان” تأسيس “الجناح العسكري المقدادي”.
وبينما فضّل البعض عدم التحدّث رغم رفضهم لما قام به بعض “المقداديين”، تقول نضال: “صار المثل صحيح، حارة بيسكّرها ولد”، ويشير محمود الى ان “هناك فرقاً كبيراً بين الزعرنة والكدعنة”، لتضيف داليا: “الناس باتت تنظر الينا وكأننا مجموعة من الزعران وقاطعي الطرق”. وفي وقت تشير هيفا بكل اسف الى ان “الخطيئة التي ارتكبت في 15 آب الفائت ستبقى معلّقة في رقاب الاجيال القادمة”، يبقى سؤال محمد: “كيف سنمحو وصمة العار التي ألقيت على جبيننا اليوم؟”.

سلمان العنداري

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s