نوستالجيا في بيروت… أي بيروت؟

تغيّرت بيروت اليوم، لم تعد عاصمة للثقافة والحرية والانفتاح والسلام. لم تعد المدينة محطّ انظار الكتّاب والمثقفين والباحثين عن الحياة والامل.
المشهد شاحب في بيروت… ابتسامة صفراء تبنعث من المدينة التي تعضّ على مشكلاتها… غبار من الهذيان يلف الشوارع ويتجمع على الارصفة والازقة، يتطاير في الهواء كأوراق الخريف. بيروت اليوم تكذب على نفسها، او بالاحرى تتكاذب.
تشوّهت بيروت، وها هي غارقة في الجراح والآلام والضياع. سحرها الذي لا يوصف والذي لا يُقاوم، يضمحل شيئاً فشيئاً. فبيروت الجميلة، التي ألبسوها ثوباً لا تريده، تعيش اليوم مرحلة في غاية الدقّة والحرج.
بيروت تتظاهر بانها على ما يرام. تستضيف الفنانين والموسيقيين، وتزدهر ساحاتها بالمعارض التشكيلية والفنية، ويلعب في حدائقها الصغار، ويتسوّق في شوارعها الكبار، وتلمع في عتمتها الاضواء، الا ان المدينة يأكلها المرض، يسيطر عليها البؤس، ويرتسم على وجهها الضياع واليأس والتعب والشعور بالعار.
بيروت تعيش في عتمة دامسة، وفي ظلام حالك. لم تعد كما كانت، مدينة يحلو العيش فيها، لانها وقعت ضحية صراعات الكبار والصغار كما درجت العادة منذ عقود. وقعت ضحية حسابات حوّلتها مجدداً حلبة لتبادل الرسائل العنيفة.
اشتقت صراحة لارتشاف فنجان قهوة في بيروت من دون ان يُطاردني ذاك الشعور الغريب، المجبول بالخوف والضياع والحذر الشديدين. الأمن في عاصمتنا لم يعد مُتاحا في ظل العواصف السياسية والمظاهر المسلّحة التي باتت عادية، تصول وتجول في الشوارع، غير آبهة بهيبة الدولة والاجهزة التي يُفترض بها ان تقمع اي تحرّك من شأنه ان يعرّض سلامة المواطن للخطر.
الامن في بيروت وكل المناطق بات يستوجب البحث الجديّ عن دولة غائبة تنأى بنفسها وتنتظر. لندور وندور في حلقة مفرغة، من السرقات واعمال القتل والخطف، وصولاً الى قطع الطرق واقفال مرافق عامة، والاعتداء على مواطنين وأجانب.
بيروت تصارع نفسها. ألبسوها الكثير من الاقنعة حتى أصيبت بازدواجية الشخصية من شدة القهر التي تتعرّض له… تراها تجلد نفسها، وتدفن رأسها في الرمال من شدة المآسي التي تعانيها، واللعنات التي تطاردها من كل حدب وصوب.
شعور بالعار والأسى والمذلة، شعور بالاختناق والتعاسة والخسارة والخيبة. شعور بالفصام والانفصال وبالخريف السياسي والنهضوي لعاصمة وشعب قررا الاستسلام لمظاهر شاذة ستقود البلاد حتماً نحو المجهول. مدينة الربيع العربي والرقي والديموقراطية والحضارة، تُحتضر في ظلّ الممارسات غير الشرعية التي باتت كالخبز اليومي. بيروت لا تشبه نفسها اليوم، ولا بد من ان تعود كما كانت… كما عهدناها ان تكون. بيروتنا حزينة، ونحن الحريصون عليها، غارقون في حزن اكبر. بيروت سجينة واقع سلاح لا يعرف اي جبروت او رادع، ونحن نتفرّج على حريق هائل يسبح في الرماد.
فمن يتحمل مسؤولية ما يحدث اليوم؟ نعم، اشتاق لبيروت الحقيقية، التي لا ترقص على طبول الحرب والحقد والتعصّب. وسيبقى هذا

الشعور من “النوستالجيا” يلاحقني، الى حين عودة بيروت ومحاسبة “قاتل” الدولة في كل مكان. فهل تعود، ونعود؟

سلمان العنداري

(يمكن متابعة المدونة من خلال salman-andary.blogspot.com)
This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s