“موضة اليوم”: أنت تغرّد و”تفسبك”… إذاً أنت موجود

هذا العصر وما يحمله من ثقافة، بات أشبه  بشجرة رصينة الجذور، تحمل أوراقاً مهددة بالسقوط.  تقاوم كل تحديات الطقس، تقاوم الحداثة، رغم أنها تعيش حاليا في فصل الخريف. هذه الأوراق هي الكتب والصحف وكل ما يمثل الكتابات الورقية. يعمل الجيل السابق على تغذية الشجرة في شكل يتيم. يضيف اليها الفيتامينات عبر اصدار كتب جديدة مع دور نشر محدودة. لكنها تسقط بعد قليل لأنها تصفرّ وأحد لا يسقيها. تبقى أوراقاً صفراء في مكتبة “القارىء الحديث” الذي لا يقرأ. أو في درج قديم يملأه الغبار لأن مكتبته امتلأت بالاجهزة الالكترونية، فشراء الكتاب هو نوع من أنواع مسايرة للكاتب في حفل التوقيع.
أما الصحف فهي في طريقها الى الانقراض. فمعظم قرّاء الصحيفة الورقية هم من الاشخاص الذين لا يكترثون للتكنولوجيا ولحداثتها، أو إن شراء الصحيفة بالنسبة اليهم بات نوعا من أنواع “البريستيج”.
هذه الشجرة، وبكل ما تحمله من ثقافتها، لا تزال صامدة في مواجهة كل أنواع الثقافات البديلة المعاصرة، التي أجبرتنا ان نهمل كلّ ما هو ورقي.
موضة اليوم وثقافته تكمن في مواقع التواصل الاجتماعي وأهمّها “تويتر” و”فايسبوك”: “أنتَ تغرّد وتفسبك اذا أنت موجود”. ظهورك عبر تلك المواقع يدل على وجودك في الحياة، إن كنت شاعرا، كاتبا، سياسيا، محللّلا، ناشطاً او شخص عادي. وبالتالي فثقافتك هي قراءة الحالات والتعليقات والاخبار القصيرة.
يشبه الموقعان الجريدة اليومية التي تنقل اليك الأخبار مباشرة. وكأنك تعيش مع الأحداث والأشخاص ولا يسعك سوى ان تنشر رأيك لتعبر عن وجودك، ولكي تفتح النقاشات مع الكبير والصغير، عدا عن “فايسبوك” يشبه خزانة الأرشيف لكل شخص.
جاء “تويتر” بعد “فايسبوك”، مع الاشارة الى ان مساحة التعليق فيه أصغر من تلك المتاحة على “غريمه”، فعليك التقيّد ببعض الأحرف في كل حالة تكتبها. مما يعني أيضا ان الجمل الطويلة في طريقها الى الانقراض. انه عصر الجمل القصيرة، اضافة الى الصورة التي شكلت عنصراً أساسياً في الآونة الاخيرة.
وهكذا، ومن دون ان تشعر، ستدخل في كل ما هو معاصر وتتماشى مع الفنون والكتابات الجديدة. وتباعاً ستبتعد عن شراء الكتب والصحف وزيارة المعارض لأن كل ثقافتك أصبحت الكترونية.
من جهة أخرى، واذا ما أردنا إجراء مقارنة صغيرة بين الحاضر والماضي القريب، فسوف نكتشف ان الثقافة كانت اكثر جمالاً وفاعلية وحيوية، رغم ان الناس غالباً ما اضطروا الى انتظار صدور الجريدة من يوم الى آخر.
الى ذلك، فالكتاب اليوم لا يتمتع بالمكانة نفسها التي كان يتمتع بها سابقاً، مع انه اقدم وسيلة للمعرفة، التي أضحت عبر الهواتف الذكية والمواقع الالكترونية. تكبر فسحة الأمل بإصدار كتب جديدة في زمن “النشاط الالكتروني”، فعندما تعلم ان “الكاتب الحديث” – ورغم كل نشاطه “التويتري” او “الفايسبوكي”، أصدر كتاباً، تشعر ان الثقافة بألف خير وأن الشجرة الرصينة ستبقى صامدة حتى لو سقطت كل أوراقها.

رشا الأمين

 

 

 

This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s