ماذا بعد الموت؟ مقاربات شبابية لسبر أغوار هذا اللغز

يسأل الطفل عادل (6 سنوات) والدته عن الموت: “ليش بموت الانسان؟ وين بروح؟ شو بصير بعدين؟”. لا تجيب الوالدة عن كل الاسئلة فهي أساساً لا تعرف الاجابة، لكنها تحاول ان تخبره كما يتحدث الناس: “يللي بموت بكون خلص عمره، وبروح على السماء، يا على الجنة او على النار”. يسأل معظم الأطفال امهاتهم عن الموت ولا يحصل اغلبهم على اجوبة، لكن تفكيرهم في الموضوع يستمر الى عمر المراهقة، والنضج والشيخوخة، ولا جواب.

ربما الشيء الوحيد المؤكد في هذه الحياة هو الموت، لكن ماذا بعد الموت؟ لا أحد يمكنه اعطاء اجابة مؤكدة وحاسمة. جهدت الاديان اكثر من غيرها لحلّ هذا اللغز ولإقناع رعاياها بان للحياة تتمة. تتمة يحددها الشخص بتصرفاته في الحياة الاولى، اما ان يعاقب في الحياة الثانية وإما ان يكافأ. والى الاديان فسّرت بعض النظريات الفلسفية الموت بانه نهاية الجسد، ولا شيء بعد، وان الطبيعة تستولد الكائنات والطبيعة تجعل الموت ضرورة للاستمرار. تختلف النظرة الى الموت بين دين وآخر، وبين الاديان والعلم. لكن بعيداً من الاقتناع الظاهر للمتدينين بتفسيرات دياناتهم للموت ولما بعده، وبعيدا من التبني الظاهر لبعض العلمانيين للنظريات المادية، كيف يفكر هؤلاء فعليا بالموت؟ هل يفكرون بالجنة وجهنم؟ هل يفكرون بمصيرهم بعد الموت؟ بالحياة الثانية؟
يستهزىء محيي الدين الترك بكل هذه “الخرافات” التي تسمى حياة ما بعد الموت “لقد اخترعت للشعوب لتنظيم علاقاتها، فيضطر الناس الى التصرف باخلاق كي لا يحاسبوا في الحياة الثانية، لكن لنفكر قليلا: هل عاد أحد بعد موته؟ كيف يمكن جسداً انتهى وتعطل ومات ان يعود للحياة؟ يقولون لك ان الروح تعود، اي روح؟ الروح هي شيء رمزي لا وجود له. لا افكر بالموت كثير فهو آت لا محالة، ولا يمكن أحداً تجنبه”.
ويقول: “أنا مريّح راسي، انا متأكد ان لا شيء بعد الموت، البداية عند الولادة والنهاية عند الموت”. من سيحاسب من؟ يقول ضاحكاً: “كبّر عقلك يا زلمي، هذه هي الطبيعة تخلقنا وتقتلنا، الامر بسيط لا يجب تعقيده”.
يختلف صالح الموسوي كثيراً مع الترك، فهو يؤمن بما يقوله الاسلام وبما قاله الله، ويعتبر ان “الحياة الدنيا لا تتعدى كونها مرحلة امتحان للانسان يذهب بعدها للقاء ربه حيث يحاسب على كل ما فعله”.
لا يخاف الموسوي من الموت مع انه يفكر فيه طويلاً “لماذا اخاف الموت؟ ان كنت اقوم بكل واجباتي الدينية فلا داعي للخوف، فالموت لا يعني المجهول، بل هو لقاء الله والحساب، وانا اسعى دائما لاستحق ان اكون في الجنة حيث سيكون كل الصالحين والمؤمنين”.
ويوضح ان تفكيره في الموت ليس لمجرد التفكير “بل لانني احب ان افكر في حكمة الله وسعيه لان يكون عباده صالحين في الدنيا ليستحقوا الجنة في الآخرة”.
لا تخجل لمى مراد من الاعتراف بانها تخاف الموت “فهذا شيء مرعب، رغم ان الكثيرين لا يعترفون بهذا الامر، لكن الموت في ذاته أمر غامض رغم اننا نؤمن بالحياة من بعده”.
وتشير الى ان دينها المسيحي يقول لها “ان هناك مرحلة تتبع الحياة وتتبع الموت تذهب فيها الروح الى شيء نسميه المطهر حيث العذاب، هناك تتعذب الروح كثيرا على الاخطاء التي فعلتها ومن بعدها تذهب الى الجنة. ولهذا يجب علينا ان نصلّي لكل شخص نحبه بعد موته لكي نخفف عذابه”.
وتضيف: “نعم اخاف من الموت لاننا سنحاسب على اخطائنا وجميعنا يخطئ، واخاف من الموت لانني لن اعرف شيئا مما سيحدث بعدي وبين اهلي واصدقائي، وربما استطيع ان اعرف، لم يمت احد ثم عاد واخبرنا ماذا يحدث الامر في غاية الغموض، كما يتركز خوفي من الموت في مسألة المرض الذي يسبقه او السبب الذي يؤدي اليه”.
بدوره يرى ديب ديب ان “الموت بشكل عام يخيف بعض الناس ولا يخيف البعض الآخر، الا اننا في الطائفة الدرزية ننظر اليه على انه انتقال للروح من جسد الى جسد آخر، اي ان الانسان بعد موته يعود ليولد في مكان آخر وفي عائلة اخرى وهذه لا تكون النهاية الاخيرة بل ان الروح ستنتقل سبع مرّات اي انها ستعيش سبعة اجيال قبل النهاية”.
لكن هذا لا يعني وفق ديب ان “ابناء الطائفة الدرزية لا يؤمنون بالآخرة، بل على العكس فالانسان يحاسب في النهاية عن كل الاجيال التي عاشها، فيجمع كل ما قام به من حسنات وسيئات ويحاسب عليها في يوم القيامة، وكما كل الاديان يدخل الجنة من هم صالحون”.
لا يحب رامي بدر الدين الدخول في نقاش او حتى في التفكير بكل ما يأتي بعد الموت “فالاديان تتحدث عن مصير للروح فيما الفلسفة المادية تتحدث عن الفناء النهائي، انا ليس لدي الجواب الحقيقي ولا احد لديه هذا الجواب، الشك موجود لدى الطرفين ومن هنا افضل عدم التفكير في الموت من هذا المنطلق”.
لكنه يؤكد انه يخاف من الموت “ليس من الموت بحدّ ذاته لانه كما اظن الموت لا يؤلم، لكني اخاف من الفراق، اخاف ان يموت احد احبه، كما افكر كثيرا في ما سيحدث اذا متّ انا، من سيحزن ومن سيفرح؟ ماذا ستكون ردة فعل اهلي؟ لكن تفكيري في هذا الموضوع لا يطول كثيرا لان الموت لا يقف على الابواب، واعتقد انه اذا ما اصابني مرض قاتل سيزيد تفكيري بالموت اكثر وربما ستختلف نظرتي كثيرا لهذه المسألة”.
وترى زينة غملوش التي تتبع الدين البهائي ان الحياة على الارض مرحلة موقتة “تمهد لحياة الروح لاحقاً، فكل ما نقوم به هو تأسيس لعوالم الله الاخرى وهي لا تعد ولا تحصى”.
وتضيف: “الجنة والنار ليسا سوى مفاهيم، ونحن من يصل الى الاولى او الثانية من خلال تقربنا من الله، فمن لا يقوم باعمال صالحة سيعيش بندم في العوالم الاخرى وهذا الندم يمكننا ان نسميه النار. اما الذي يكون صالحاً فيعيش سعادة يمكن تسميتها الجنة”.
وتشير الى ان الموت “عند البهائيين كما عند غيرهم يشعرهم بالحزن لكن في الوقت عينه نحن نعتبر ان الموت بمثابة بشارة للانسان، اذ من خلاله تتحرر الروح من الحياة الدنيوية. ولذلك لا نبالغ في الخوف من الموت او في الحزن على الميّت”.

علي منتش

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s