علِمتُ ما بعد الموت

حدثتها روح يوماً وتمزق الغشاء الذي يفصلنا عن الآخرة. رأت ان الاموات في تطور مستمر. يعملون، يحلمون، ينشدون ويرعوننا.
باتريسيا داري (الصورة) صحافية اذاعية في “فرانس بلو بري” وأم متزوجة. عاشت حياة هانئة، خالية من العوائق. وجودها بدا مقرراً، الى حين قطع حدث تسلسل الواقع. وفي لحظة وحدتها سمعت صوتاً في أذنيها يصدر أمراً.
¶ متى عشت هذه التجربة؟
في ايلول 1995 وضعت صبياً قبل شهرين من أوانه. كنت فرحة وأتمتع بحياة زوجية مدهشة. عملي يروق لي، كنت نشيطة. باختصار لست انسانة كسولة او مكتئبة.
¶ رغم ذلك كان ثمة بعض الاشارات…
هذا صحيح. قبل ثلاثة اسابيع كنت اعاني زكاماً قوياً لم استطع الشفاء منه. أعتقدت انه نتيجة ارهاق أو “صدمة” هرمونية. اما اليوم ادرك انه أمر مختلف. في الوقت عينه كنت أبصر أحلاماً غريبة واسمع اصوات تقول: “قريبا ستكون جاهزة”. أنا؟ جاهزة لماذا؟ هذه الاحلام عاودتني واقلقتني. لكنني عقلانية وقلت انني متعبة.
¶ في ليلة انبعث الصوت في أذنك فجاة.
نعم، سمعت صوتاً رجولياً، رتيباً، قوياً وآمراً. “انهضي، تناولي ورقة واكتبي”. التفت الى زوجي النائم وايقظته “هل كلمتني؟”. كان نائما. فاختبأت تحتى غطاء السرير كما لو كنت في حجرة. حاولت ان اهدىء من روعي. سأخلد الى النوم مجدداً وكل الامور ستصبح على ما يرام. اتنفس واسترخي.
¶ وعاد الصوت!
نعم “انهضي، تناولي ورقة واكتبي”. احدهم يكلمني بطريقة لم اعهدها من قبل. انه صوت في مخيلتي. خيل الي انني اصبح مجنونة وانني مصابة بالفصام. الصوت مخيف الى درجة انني ارضخ مرتجفة. انهض واتوجه الى مكتبي. انها الثالثة فجراً. اتناول ورقة وقلماً، ولكن ماذا اكتب؟ ليس لدي ما اكتبه.
¶ وهنا تنكب يدك على الكتابة
انظر اليها كما لو كنت انظر الى قطار مار. ذهني لا ينظم شيئاً. يدي تكتب لوحدها بخط ضخم لا يشبه خطي مرتكبة أخطاء املائية وموصولة الكلمات بعضها بالبعض. كنت مندهشة لأن يدي تكتب بسرعة وهذا ما تسبب لي بما يشبه انقطاع النفس. عندما انتهيت رميت قلمي. ارتخت يدي وبدأت بقراءة الخط الغامض.
¶ ما تقرئينه غريب.
“انت تتواصلين مع عالم مختلف. عندما نحتاج اليك نبحث عنك لا تحاولي الاتصال بنا” تائهة نمت قلقة حتى الصباح.
¶ هل اخبرت زوجك؟
لا انه محامٍ عقلاني وانا متاكدة من جوابه: “انت متعبة”. لذا من دون ان اناقش الامر مع احد سأزور طبيباً نفسياً وهو من سيعلمني عن خللي العقلي وما اذا كنت في حاجة الى علاج. ازور الطبيب واخبره عما جرى فيسألني: “هل عانيت هذياناً او احباطاً قبل هذه الليلة؟ “لا ابدا”. “لا يمكننا ان نصاب بالفصام بين ليلة وضحاها. خذي قلماً وورقة وعاودي ما كتبته”. بدهشة اسمع جوابي “كلا، لا يريدونني ان اتصل بهم”. حدق الطبيب الي وتثبت في كرسيه وسألني: “من هم؟ لا تقلقي لدينا بعض الوقت. حاولي”.
وانا اصر: “لن تجري الامور على هذا النحو لانهم لا يريدون ان استدعيهم”. وفي هذه اللحظة احسست وكأنني أغوص في الاعماق. وانطلقت يدي وملأ قلمي صفحتين. حينما حاولت والطبيب تفكيك هذا الخط الغليظ، هذه الرسالة المليئة بالاخطاء تتحدث عنه (الطبيب)، عما انجز وعما سينجز وعن حالاته النفسية. الان باتت الطبيب مشوش الذهن “كيف استطعت القيام بهذا؟”، وهذا ما أتيت لاسأله عنه. اكد لي انني لا اعاني اي خلل نفسي وانني كنت بلا شك وسيطاً وان هذا ليس من اختصاصه.
¶ ازعجك كثيرا هذا التشخيص؟
لا اريد ان اكون مثل السيدة ايرما. هذا بعيد عني كل البعد. رغم ذلك كنت مرغمة على ان اتقبل وساطتي لان الارواح التي تحادثني تبوح إلي بأمور لم اعهدها من قبل. كنت خائفة من ان يطلب زوجي الانفصال ولكنه اكد لي اننا سنبقى معاً ان لم ازعزع حياتنا وان بقيت انا كما عرفني وطلب مني ان اتقبل ما يحصل لي.
¶ باتت المغامرة اكثر غرابة لان فيما بعد ترين الاموات احياء، اطياف ضبابية واضواء. تتواصلون بالتخاطر.
يتداعى الاموات الى مآدب الاصدقاء فرحين، ضاجين ومتشاركين. يصلون عقب احد الضيوف ويحملونني رسائل مربكة على سبيل المثال: “انا جدها، قولي لها اني هنا”. لم ارغب يوماً في نقل هذا النوع من الرسائل. لن اشوه صورتي كصديقة لأصبح مجنونة وأشيع الحرج. لماذا أصبح رسولة الاموات؟
¶ نعم لماذا؟
قالو لي: “انت من أردت ذلك”. يتعقبني الاموات فيظهرون لي طوال الوقت ويقلبون حياتي رأسا على عقب حتي انقل كلماتهم. مرغمة على أمري، احاول ايصال الرسائل بذوق.
¶ كيف تعيشين وساطتك؟
اختلط المنطقي باللامنطق. اعمل يومياً في “فرانس بلوبري” ولكن حينما تصلني رسالة احد الاموات لأنقلها، او أكلف بشفاء اصابة لأنني ايضاً بت متمتعة بهذه القدرة، انجز ذلك ثم تعود الحياة الى طبيعتها. لا أقوم بالأمر بناء لطلب. ولكننا جميعاً نتمتع بقدرة الاتصال مع حقيقة اخرى.
¶ حقا؟
نعم اتلقى العديد من الرسائل الالكترونية لطلب المساعدة لا يمكنني الرد سوى “طوروا انفسكم”. جميعنا مرسلون ومتلقون. نحن من غبار النجوم . نحن جزء من الكون. انا واثقة من اننا نتواصل مع كل الحقائق. القلق العابر هو تلقي موجات، هو مرور ارواح، هو اشباح او انبعاثات كونية. ببساطة لا نملك القدرة على تعريف تأثيراتها.
¶ تاكدين انه بوسعنا الانفتاح على عالم آخر؟
في حالتين فقط: تأكيد قدرة القيام بها وتخطي حدود المنطق للتلقي. وألا لا نعيش الحزن الذي يحاصر كل شيء. اعلم منذ ستة عشرة عاما اننا خالدون وان الموت غير موجود وان بعد وفاتنا ضمائرنا تتابع تطورها وان كل الامور ممكنة حتى الافضل.

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s