تؤجل الإمتحانات حتى تحقيق النصر!

في 5 حزيران 1967، وصل طلاب جامعة بيروت العربية لتقديم امتحاناتهم لنهاية العام الجامعي، فوجدوا على الباب لافتة كتب عليها “تؤجل الإمتحانات حتى تحقيق النصر”. بعد مدة حدد موعد الإمتحان وتقدم له الطلاب وحصلوا على النتائج. وأكملوا دراستهم. ثم تخرجوا وعملوا وتزوجوا، وصارت تلك الطالبة، أم محمد، وجدة لخمسة أحفاد. هكذا استمرت الحكاية، وكبرت الأحلام، ثم تضاءلت الى اليوم. ولم يتحقق النصر.
هذه الرواية سمعتها قبل أيام في عيد الفطر، الى روايات أخرى من والدي قال لي فيها انه لم تكن ثمة دولة في لبنان منذ ما قبل الحرب، وربما منذ العام 1943، سنة الإستقلال لمن يذكر. هذه الروايات مجتمعة، تدفعني الى السؤال عن تحقيق الدولة وتفعيل مؤسساتها.
الأمر المريح معنوياً هو موقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان، بل مواقفه الأخيرة، الوطنية والمسؤولة، وهو المؤتمن على الدستور وعلى الأمة اللبنانية. لكن الوقائع على الأرض لا تبشر بالخير، ومواقف الأطراف المتنازعة أيضاً. فإلى المسؤولين المتضررين من عملية بناء الدولة، والذين دمروا أسسها خدمة لأهدافهم التقسيمية وإن غير معلنة، ثمة عناصر استخباراتية ومجموعات عشائرية تدار من هنا وهناك، بعيداً من أصالة العشائر وقيمها، تهدد وتتوعد وتنفذ عمليات الخطف، بل تهدد وتتوعد رئيس البلاد وترد عليه، لأنه لم يصفق لتجاوزاتها وارتكاباتها، بل لجرائمها بحق الوطن.
بالأمس البعيد تحملنا الكثير في انتظار تحقيق النصر وعودة فلسطين الى أهلٍ هجروها وعهروا قضيتها، وباعوها بأبخس الأثمان، وحاولوا استعادتها من طريق جونية وكسروان وبيروت، بعدما أضاعوا الجغرافيا، ليبلغوا حد اضاعة التاريخ أيضاً.
واليوم نتحمل من الأطراف اياهم، أو من يشابههم، الكثير، رغبة في الدفاع عن النظام السوري الذي قتل أبناءنا وخطف البعض منهم، ودمر أحياء وحاصر مدناً وأمعن في اذلالنا.
من طريق المطار، الى عكار، وطرابلس المشتعلة، فعمليات الخطف المتبادل، والتهديد والوعيد لبعض الطامحين لدى آل المقداد، والشيخ عباس زغيب، والشيخ أحمد الأسير، وغيرهم… تصير الصورة سوداء قاتمة، ويزيد فيها سواداً إعلام يحيرنا في كيفية النظر اليه والحكم عليه.
فالإجراءات بحق الإعلام، أو بعضه من التلفزيونات، صارت جاهزة، وهي مخيفة لنا، اذ تذكرنا بعصر قفل MTV وICN و”الجديد” وغيرها، واضطهاد الصحف ومنع الإعلانات عنها في أزمنة مضت، وتعيدنا الى عصور ظلامية من القمع.
لكننا، في المقابل، لا يمكننا تبرير ما يجري عبر الهواء في فترات البث المباشر، وتهديد السلم الأهلي الذي تسببه التلفزيونات، أو بعضها، من خلال إثارة الرأي العام بطريقة غرائزية تصيب المتلقي، كما صارت داء المراسلين التواقين الى “سكوب” اعلامي، ولو اتى على المهنية والموضوعية والصدقية.
كانوا يقولون انه لو هجر الإعلام بكركي لنبت الحشيش على درج الصرح، اذ ان معظم الزوار، وخصوصاً المجهولين والباحثين عن أدوار، كانوا يقصدون البطريركية لإلتقاط صورة وللإدلاء بتصريح على الدرج.
اليوم، بات الناس يقصدون طريق المطار، ويحملون السلاح، ويطلقون تسميات متعددة وهمية، وربما يركبون الدراجة الهوائية، ويقيمون في خيمة، وغيرها من الأمور السخيفة، رغبة في إطلالات سخيفة، يؤمنها لهم اعلام صار سخيفاً حقاً، لكن الأهم انه صار يشجع هذه الظواهر الغريبة، وربما يعجل في اشعال فتنة ليست بعيدة ولا مستبعدة.
ليس الحق كلّه على الإعلام، بل جزء منه، وجزء كبير أيضاً، فيا ليت القائمين عليه يؤجلون هذا التنافس الى حين تحقيق النصر، أي المحافظة على السلم الأهلي.

غسان حجار

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s