الشباب الفلسطينيون بين مطرقة الاحتلال وسندان الانقسام

حلّ الربيع في العالم العربي ولم يُزهر بعد في فلسطين، التي تُصارع كل يوم وتناضل من اجل البقاء على قيد الحياة، وسط مستنقع ملتهب بالصراعات السياسية والعسكرية والمذهبية والايديولوجية. وفي منطقة تتصارع مع نفسها، معلّقة ما بين الماضي والحاضر، تترقب فلسطين مستقبلاً غير واضح المعالم.

ازهر الربيع في غير مكان من العالم العربي، الا في شوارع رام الله وغزّة وبيت لحم، في وقت تعضّ القدس على الجراح، ويستمر الاولاد، كما النسوة والشيوخ والشباب، في مواجهة اكبر آلة عسكرية عنصرية غزت تلك البقعة المقدّسة من الارض، واحتلتها بالقوة منذ عقود.
اين فلسطين من “الربيع العربي”؟ واين شبابها من الحراك السياسي في المنطقة؟ اسئلة طرحها “نهار الشباب” على مجموعة من الشباب والناشطين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
تقول الصحافية في قطاع غزة مهى شهوان ان “الوضع الفلسطيني يختلف عما في بقية البلاد العربية، فالاحتلال هو العنصر الأهم من مكونات الحال السياسية الفلسطينية، وداخلياً الأمور ليست كما يتصور البعض، اذ نعيش واقعاً مؤسفاً يتمثّل بوجود حكومتين، واحدة في الضفة واخرى في القطاع. ولهذا فإن اي ربيع فلسطيني لا بد من ان يأتي لإنهاء الانقسام، ومن ثم للقضاء على سياسات الاحتلال، وليس كما حصل ويحصل في الدول العربية”.
عاد معاذ مصلح، وهو شاب فلسطيني من قرية بيت صفافا في القدس وطالب ماجستير صحافة سياسية في جامعة سيتي في لندن، الى ارضه ليعمل على مشروع تخرّجه، ايماناً منه بأن فلسطين ستبقى الارض والهوية والقضية. لا يتفّق مصلح مع تسمية “الربيع العربي”، مُفرّقاً ما بين “الثورات” و”الانتفاضات”، معتبراً ان “الوضع الفلسطيني لا تصح مقارنته بوضع الدول العربية الأخرى لأسباب عدة، منها ان المعركة الأولى والأخيرة هي مع احتلال حاقد، وهي معركة بقاء تمسّ كينونتنا كشعب. والشعب الفلسطيني يقاوم منذ بدء الاحتلال البريطاني قبل الصهيوني، وخاض ثورات تلو الثورات، وانتفاضات تلو أخرى، ورغم فترات الركود التي مررنا بها، الا اننا ما زلنا نقاتل منذ عشرات السنين”.
لا ربيع عربياً في فلسطين اليوم وفق مصلح “الا ان مرحلة صعود انتفاضة جديدة لن تكون لها علاقة بأي من حوادث المنطقة، بل ستكون ضمن النطاق الطبيعي لمراحل النضال ضد الاستعمار الصهيوني المستمر منذ عقود”.
جهاد شجاعية، ناشط اجتماعي من رام الله، لا يرى اي ربيع فلسطيني وشيك “والسؤال هنا، هل الربيع داخلي ام خارجي؟ هل هو ربيع ضد الاحتلال؟ أم ربيع على الداخل الفلسطيني؟”. يطرح شجاعية تساؤلاته المقلقة، معتبراً ان “وضع الشباب الفلسطينيين صعب جداً في هذه الفترة، لانهم غير قادرين على التعبير بالشكل المطلوب. فهم محاصرون بقوات الاحتلال من جهة، ومكبوتون داخلياً من القوى الفلسطينية ذاتها، ناهيك انهم يعانون أوضاعاً اقتصادية واجتماعية سيئة للغاية، الامر الذي يجعل الحراك الداخلي صعب التحقّق، أقله في الوقت الراهن”.
يقيم أسامة مرتجا في قطاع غزة، وينظر بدوره الى الربيع الفلسطيني بسودوية وغموض. فمنسّق “برلمان شباب فلسطين” والناشط في المجتمع المدني الغزّي، يقولها بصراحة، و”بلكنة فلسطينية”، ألا وجود لربيع فلسطيني “شأنه شان الدول العربية”، مُلقياً باللائمة على المتنازعين على السلطة في قطاع غزة والضفة الغربية، في اشارة الى حركتي “فتح” والمقاومة الاسلامية “حماس”، وما يدور بينهما من مشكلات وتوترات تمنع الوصول الى فجر جديد يؤدي الى تحرير الأرض ودحر الاحتلال.
فالانقسام الداخلي برأي مرتجا “يُشكّل عائقاً أساسياً امام اي حراك سياسي جدّي، لان غياب الوحدة الوطنية سيقود حتماً الى غياب اي مشروع وطني يعيد للقضية رونقها داخلياً ودولياً”.

واقع الشباب 

تنظر شهوان، الصحافية التي حازت جائزة دولية تقديراً لنشاطها قبل اشهر، بايجابية إلى واقع الشباب الفلسطينيين في ظلّ الثورات العربية رغم الخيبات المتتالية، “فالشباب الفلسطينيون ينبضون دائماً بالحيوية والارادة لاثبات أنفسهم في كل المجالات، وتالياً فهم لا يحتاج الى ثورات عربية ليعلنوا انهم موجودون. هم أوائل من رفعوا شعار “الشعب يريد انهاء الانقسام”، ونظموا النشاطات الاحتجاجية لتحقيق المصالحة، هذا فضلاً عن انهم في ثورة دائمة ضد قوى الاحتلال الاسرائيلي، ويواصلون نضالهم على مختلف الاصعدة الحياتية، رغم قلة الامكانات للتغلب على هذا الواقع”.
“وضع الشباب الفلسطينيين اليوم سيىء للغاية”، يقولها مرتجا، متحدثاً عن “مشكلات حيوية وأساسية وحياتية يعانيها كل شاب فلسطيني بين الضفة والقطاع”، ومشيراً الى “ان نسبة البطالة العالية تخطّت الـ 60 في المئة في انحاء البلاد”. كما ينتقد “الملاحقات الامنية الاسرائيلية، وتعامل الاجهزة الامنية الوطنية الفلسطينية على اختلافها، فضلاً عن الملاحقات والاعتقالات وتقييد حرية التعبير، ولاسيما في قطاع غزّة، مما زاد الاحباط احباطاً”.
وفي هذا السياق يتمنى شجاعية ان تكون ثمة مصالحة وطنية “وان تعود قضيتنا الفلسطينية الى سلم الاولويات، وان تنتهي الخلافات الحزبية، “كون جيلنا الحالي من الشباب بات اكثر وعيا وثقافة في ظل الانفتاح على الاعلام الجديد والتعبير عن رأيه كما يريد ومعرفته الصواب من خلال اطلاعه على مختلف الاراء والتوجهات واختيار ما ينفع البلد ويصلح حالها بعد انقسام استغرق خمس سنوات وأثّر في اوضاعنا الداخلية”.
اي مستقبل لشباب فلسطين؟ يُجيب مُصلح، قافزاً فوق “التناتش السياسي والامني” بين “فتح” و”حماس”: “هو مسقبل كل جيل شبابي عاصر الاحتلال الصهيوني، وهو مستقبل نشوء حركة نضالية جديدة ستنشأ في اقرب وقت لتختفي أوجه الانقسام من دون الحاجة الى اتفاقات سياسية أو محاصصة سلطوية بين السياسيين والسلطويين والوصوليين”.
في المحصّلة، الشباب الفلسطينيون لا يتحدثون، بل يعملون جاهدين من اجل الوصول الى ثورة تُغيّر واقعهم على كل المستويات، والربيع الذي يُزهر في كل مكان سيحين موعد ازهاره يوماً ما في فلسطين مهما تأخر الوقت والاستحقاق، رغم حال الغموض والقلق والخوف والترقّب، والعيش بين مطرقة الاحتلال وسندان الانقسام.

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s