حكايتي مع يهود لبنان: وجوه تختفي خلف الاصوات

بداية اود ان ألفت الى أن المقصود بيهود لبنان في حكايتي الصغيرة هذه، هم اليهود الذين لم يتنازلوا عن هويتهم اللبنانية، الغالية على قلوبهم، والذين ظلوا اوفياء لوطنهم الذي حضنهم وأنقذهم من شتات كانت الدولة العبرية السبب المباشر في حدوثه.  بدأت رحلة استكشافي ليهود لبنان منذ اليوم الأول الذي رأيت فيه، وللمرة الأولى، رجلا يهودياً لبنانياً يتحدث العربية، ويحمل بطاقة هوية تعرف بأنه لبناني وينتمي الى الطائفة الإسرائيلية في لبنان. علامات إستفهام وتعجب اجتاحتني، وانا اراقب نظراته وأشعر بانزعاجه لوجودنا. أذكر حين رآني أنه سخر مني، وضحك باستهزاء وقال لي “لا تخافي أنا لا آكل بشراً”. أيقظني من غيبوبة أحكام كنت اصدرتها بحقهم من دون وعي وتفريق ما بين يهودي وإسرائيلي. كنت أتوقع أن أجد شخصاً يتحدث العبرية ويضع قلنسوة على رأسه، ولديه لحية وشكله غريب، والأهم من ذلك كنت اتوقع أن أجد أمامي رجلاً إسرائيلياً صهيونياً، ولكنني وجدت يهودياً لبنانياً.
تحدثت اليه قليلا انا واصدقائي، ثم عاد كل منا إلى بيته، إلا أن صورة الرجل لم تفارق تفكيري.
كانت عطلة الصيف شارفت الانتهاء والعام الدراسي والجامعي يطرق أبوابنا، في السنة الأخيرة في الجامعة. وكان مطلوب منا تقديم أفكار لمشاريع التخرج، فوقفت أمام زملائي في الصف وقلت بكل ثقة “مشروع تخرجي سيكون وثائقياً عن يهود لبنان”.
ومنذ اللحظة انطلقت رحلتي الميدانية عن يهود لبنان، عملت بجد ونشاط ولم أترك منطقة أو شارعاً في شوارع ومناطق بيروت لم اذهب إليه تحدثت إلى الناس وتعرضت للكثير من الإنتقادات والتحذيرات، ليس فقط من الغرباء وانما أيضاً من الأقرباء الذين حذروني من حساسية هذا الموضوع. إلا ان هدفي كان الوصول إلى الشخص الذي رأيته للمرة الأولى والى اليهود عموماً، من أجل إيصال فكرتي أن “أغلب اليهود في لبنان ليسوا صهاينة” كانت المحفز الذي اعطاني القوة والإصرار على العمل دون توقف.
وكان السؤال الأبرز في هذه المرحلة هو: كيف سأتمكن من الوصول إلى القلة القليلة من اليهود الباحثين في لبنان؟
تعبت وتحملت كثيراً ومرت أيام وشهور من دون نتيجة، إلى أن فقدت الأمل في الوصول إلى الشخص الذي رأيته مرة ولم أجده ثانية.
لم اكترث لكل ما يدور من حولي، وعادت رحلتي الميدانية تنطلق من جديد، ولكن هذه المرة بشكل مكثف أكثر، وما يئست من البحث، فوضعت خطة عمل ميدانية حددت فيها اماكن وشوارع كان يوجد فيها يهود، وقصدتها وكنت اسال المارة واصحاب المحال ذات الطابع القديم وكنت اركز على اصحاب المهن التي كان يشتهر بها اليهود، كالتطريز وبيع القماش والذهب وغيرها من المهن، واسألهم عما اذا كانوا يعرفون شيئا عن اشخاص يهود كانوا في المنطقة. منهم من كان يصرخ في وجهي ويقول: “حلي عني يا بنتي بعد ناقصني يهود”، ومنهم من كان يقول: “رزق الله يا بنتي، شو ذكرك فيهن كنا عايشين مبسوطين، كانوا جيرانا، لكن سافروا من زمان ما قبل الحرب الاهلية وما عدنا عرفنا عنهم شي من وقتها”. من جهة كنت افرح بقصص كبار السن وذكرياتهم الجميلة واستمتع بسماعها، ولكن من جهة ثانية كنت اشعر بأن الموضوع فعلاً صعب ويحتاج الى طول بال…
واكملت بحثي…
وذات يوم كنت اتأمل فيه مباني تعود ملكيتها الى يهود كانوا في لبنان، فقلت في نفسي: من يدير اعمال هذه الطائفة في لبنان؟ لابد من وجود محام يهتم بمتابعة قضاياهم، خصوصا تلك المتعلقة بايجارات قديمة واملاك محتلة من افراد وجدوا في هذه البيوت مسكنا آمناً لهم… حينها قلت في نفسي وانا في الشارع يجب الاستدلال على محامي هذه الطائفة، وسألت اشخاصا كثراً. فأرشدوني الى محام يمكن ان يساعدني.
ذهبت اليه آملة في الوصول الى خيط يرشدني الى المسار الصحيح، قرعت جرس مكتبه واذ بفتاة تفتح الباب وتقول لي “اهلا، شيرين صحيح؟” قلت “نعم” مبتسمة ومتوترة في آن واحد، قالت تفضلي المحامي بانتظارك…
دخلت المكتب. رحب بي المحامي وقدم لي فنجاناً من القهوة… ارتحت قليلا وباشرت الحديث فعرّفت عن اسمي ومن اي جامعة، وقلت له انت لا تعرف سبب مجيئي اليك، وقد تستغرب قليلا، لانني ابحث عن محامي الاوقاف اليهودية في لبنان ولجأت اليك لعلك تستطيع ارشادي الى كيفية البحث عن هدفي من خلال قضايا في المحاكم تعود الى اليهود في لبنان رافع عنها محاميهم…
ضحك المحامي واجابني: لماذا تبحثين عنه؟ وما علاقتك بيهود لبنان؟
اجبته : لدي قصة طويلة معهم، فانا لم اكن اعلم بوجودهم في لبنان ولا اعلم شيئاً عنهم الى ان جاء يوم وتعرفت الى شخص يهودي وبدأت أسرد له التفاصيل وهو يستمع الي بحذر واستمتاع. هذا ما بدا على وجهه حينذاك وكنت اسرد له القصة في شكل عميق ودقيق. عندما انتهيت قلت له هذه هي قصتي وحكايتي مع يهود لبنان… رأيت شخصاً غيّر حياتي ثم اختفى.
ضحك وقال لي: شيرين انا محامي اوقاف اليهود في لبنان.
اصابتني نوبة ذهول، لم افق منها الا مع صدمة اكبر عندما اكمل قائلا والشخص الذي تعرفت عليه ثم اختفى يكون صديقي وسأجمعك به مجدداً. قال ذلك بسهولة وبرودة اعصاب بعدما امضيت شهوراً ابحث عن شخص يجلس امامي ويحدثني: التقيته صدفة من دون معرفتي المسبقة بهويته!
شعرت بأن كل الابواب فتحت امامي وبدأت امشي على السكة الصحيحة في بحثي “وعلى ضو”. اكملنا حديثنا ولم أملّ من طرح الاسئلة وهو بدوره اجابني بكل طيبة ومودة. وفي نهاية الجلسة حدثته عن الصعوبات التي أواجهها، خصوصا ان هذا الموضوع غير متداول ولا معلومات موثقة حوله، واخبرته عن حصولي على النسخة الاولى لجريدة “العالم الاسرائيلي” التي كانت تصدر في لبنان عام 1921، فدهش وطلب مني نسخة له وللشخص اليهودي الذي كنت التقيته. وفعلا في اليوم التالي جلبت له نسختين واحدة له واخرى لليهودي (خ. م) الذي فوجئ بها كثيرا عندما رآها لانه لم يكن يعلم بوجودها، فوافق على لقائنا وحدد لي موعداً لذلك.
كان نهار السبت، وكانت تمطر والطقس بارداً وأنا متوترة جدا، لا اعرف كيف اعرّفه على نفسي، هل سيتذكرني ام انه سيقابلني ليشكرني فقط على ارسالي نسخة من الجريدة له، ام انه سيتحدث الي ويسمع ما عندي ويساعدني؟
ثم فجأة بدأت الشمس تشرق، وما أجمل شروق الشمس بعد المطر، كنت انتظر حلول الساعة التاسعة لاقصد مكتب المحامي الذي سيرافقني لمقابلة (م.خ)…
دقت الساعة وحان موعد اللقاء، صعدت سيارة الاجرة متوجهة الى مكتب المحامي الذي كان في انتظاري عند وصولي ذهبنا معاً. وصلنا الى وادي ابو جميل، ركنا السيارة ومشينا قاصدين كنيس ماغن ابراهام الذي يرمم حالياً. كنت مرتبكة وحائرة جدا، لمحته من بعيد طويل القامة يرتدي سترة سميكة لتحميه من البرد ونظاراتين سوداوين.
اقتربت منه غير مصدقة، الشخص الذي كان هو السبب في ولادة فكرة الفيلم وجدته اخيراً وأخبرته قصتي وكيف انني كنت ابحث عنه دون كلل أو ملل، فضحك وقال لي “نيالي والله أنا قوي”. لم أعش حكايتي فقط، بل شاركت هذا الرجل حياته بمساعدته في إنجاز أعمال معينة، مثل الذهاب معه من أجل تقديم التبرعات لكبار السن من اليهود، والأهم من ذلك انني عشت خوفهم وشعرت به في موقف عابر خلت أن قلبي سيتوقف من شدة الخوف: فما حدث عندها اننا كنا نتمشى ونتحدث على المنارة ونشرب فنجانا من القهوة، وفجأة أوقفني وادارني إلى البحر وقال لي، وبنظرات مخيفة ويده تشدّ معصمي، “هناك من يراقبنا، انظري إلى هذا الشاب يمشي كلما مشينا ويتوقف كلما توقفنا”. ولكن الغريب في الموضوع هو انني عندما أدرت وجهي إلى ذلك الشاب وجدت تصرفاته عادية، فقد مشى وذهب قاصداً اصدقاءه، كنت قد خفت كثيراً خصوصاً أن كثيرين حذروني من خوض هذه التجربة وهذا الموضوع الحساس.
وبعد رؤية هذا الشاب تيقنت ان اليهودي في لبنان يعيش خوفاً رافقه طوال سنين ويرافقه مع كل خروج من المنزل. لقد عشت تجربة كل يهودي خائف من الظهور في لبنان واكتشفت الكثير الكثير، وفوجئت كثيراً عندما صدمت بالوقائع التي رأيتها أمامي. يهود لبنان ليسوا أناساً متطرفين، أو يهدفون إلى إنشاء حركة صهيونية لتقديم الدعم للدولة العبرية، أو غيرها من الأفكار التي اسمعها كل يوم من اناس لا استطيع لومهم لأنهم عانوا من الظلم الإسرائيلي خلال الحوادث الأليمة التي مرت على الشعب العربي. بل أن هؤلاء هم لبنانيون مثلنا ومثل أي لبناني آخر على هذه الأرض، بل أكثر من ذلك لقد اكتشفت ان لهم أعمالاً كبيرة في البلد وشركات كبرى، رؤوس اموالها ليهود يعيشون في لبنان، وبعضهم يمسك بأعمال أحد السياسيين في البلد، وهذا ما قد يجده البعض ليس بهذا القدر من الغرابة، إلا أنه عندما توجهت إلى هذا السياسي وسألته عن اليهود في لبنان وكيف يمكن أن يساعدني، لأني كنت على علم ويقين بأنه يستطيع ذلك قال لي: “إذا انت استطعت الوصول اليهم اتمنى أن تعلميني بذلك وهذا رقمي الخاص اعلميني بكل جديد”. عندها ابتسمت وقلت له: “ولكن شخصاً يهوديا قال لي أنك كنت في عشاء عمل قبل بضعة أيام وكنت جالساً ومعك رجل من أغنى أغنياء العالم وهو يهودي لبناني”، فارتبك وقال لي: “قلت لك لا أعلم شيئا”!
وعندما أخبرت اليهودي عن ردة فعل هذا السياسي ضحك قائلاً: “طبعاً سينكر فهو يخاف من أن يتهم بالعمالة يا صديقتي، فكل واحد يتحدث إلى يهودي يعتبر إسرائيليا”.
أغلب اليهود الذين تحدثت اليهم هم ضد الكيان الاسرائيليّ إلا انني تحدثت إلى إمرأةً صفعتني بقولها أنا إسرائيلية يهودية!! عندها اكتشفت ان اليهود في لبنان ضائعون ما بين هوية وطن وانتماء وعقيدة، فمنهم من يعتبر نفسه لبنانيا يهوديا معاديا لاسرائيل ومنهم من يعتبر نفسه اسرائيليا يهوديا لا تهمه جنسيته اللبنانية.
قصتي مع يهود لبنان ليست موضوع فيلم أعمل على إنجازه من أجل التخرج في الجامعة، وانما هي قصة لبنانيين مهمشين اجتماعيا – رسميا معترف بهم وحقوقهم محفوظة -، استطعت معهم تحقيق ما هو مستحيل بالوصول اليهم وتصويرهم في بيوتهم وأثناء ممارسة طقوسهم.   هؤلاء لهم ما يحق لغيرهم من اللبنانيين، اختاروا البقاء في لبنان ومواجهة كل الصعوبات، وليس ذنبهم أن أصحاب المشروع الصهيوني فرضوا عليهم دولة عبرية انشئت بدم الأبرياء بدلاً من انتظار مجيء مخلصهم المسيح لإعادتهم إلى أورشليم وجمع شتاتهم (وفق قصتهم).
في المرة الأولى عندما رأيت هذا الرجل اليهودي كنت على وشك قتله، فأنا ككثيرين غيري، لا يتحملون ما تفعله إسرائيل بالشعب الفلسطيني، إلا انني اعطيت لنفسي فرصة لأواجه مخاوفي ومبادئي التي تربيت عليها منذ الطفولة فكانت النتيجة أن هذا الشخص اليهودي اللبناني المعادي لاسرائيل أصبح صديقي. تم انجاز الفيلم الذي تناول وضع طائفة رسمية منسية في لبنان بعد سنة من الجد والبحث، وقد حمل عنوان “الطائفة الاسرائيلية في لبنان اصوات بلا وجوه”، وكنت أتوقع ان ينال صدى ايجابياً من الدكتورة المسؤولة، الا ان توقعاتي لم تكن صائبة فقد طلبت سحب اشرافها عن الفيلم معتبرة ان يهود لبنان لا وجود لهم رغم ابرازي في الفيلم جوازات سفر تعود الى لبنانيين يهود لهم املاك في لبنان…
واجهت مشكلات كثيرة وانتقادات الا انه قابل هذه الصعوبات تقويم ايجابي من جهات مهنية ذات مستوى ما اعطاني دافعا لانجاز جزء ثانٍ للفيلم ان شاء الله بدأت التحضير له.

شيرين قباني

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s