فهد مغامرة خاطفة في صالون الحلاقة الذي صار متحفاً

على بعد 30 كلم من العاصمة بيروت، وعلى ارتفاع اكثر من 1250 متراً من سطح البحر، وبين اشجار الصنوبر والارز، وبين الابنية القديمة الايطالية التصميم، تقع فالوغا.
كل شيء في فالوغا يهمس بصمت وبفرح. الطرق الواسعة والازقة الضيّقة، الأدراج الطويلة التي تحتفظ بين طبقاتها بذكريات واخبار ولمسات قديمة، الى الجبل العالي المُكلل باول علم لبناني رُفع العام 1943، وتلة ارز وينابيع المياه العذبة…
للقرية معالمها الطبيعية والسياحية والعمرانية، الا ان لـ”صالون فهد للحلاقة” قصّة اخرى ومميزة… ففي الصالون الذي يديره ويملكه فهد العنداري، لا يقتصر الامر على “حلاقة ذقن” او “قصّ شعر”، فهذا المكان الواقع وسط القرية تحوّل مع مرور السنوات متحفاً بكل ما للكلمة من معنى.
بنادق قديمة، تحف، وقطع اثرية ونحاسية نادرة، احجار قديمة واشكال صدفية، مرايا وحبال، وخناجر… باختصار، تأخذك الجلسة في صالون فهد الى عالم اخر، بعيد كلياً من عالمنا التقليدي الغارق بالمشكلات والاخبار المقزّزة والمتعبة والمملة.
المحاربون والاحصنة والتماثيل، الافاعي الغاضبة على الجدران والخناجر المعلقة بين الحجر التقليدي والقطع الاثرية، كل شي يتحدث في صالون فهد عن تاريح وعراقة، وعن هوية ضائعة تبحث عن نفسها.
في الصالون، حصان من حجر، وصقر من حديد، وسمكة قررت ان تستريح على حجرة صغيرة، ومسبحة من حجر كريم نادر وباهظ الثمن.
في الصالون، مرايا تعكس صورة الماضي والمستقبل في ان واحد، سحر غريب يأخذك الى مكان جميل ويُخرجك من القفص الذي تعيش فيه، فتضيع في زوايا وخبايا هذا المكان الرائع الذي تحول بالفعل ايقونية من الحكايات .
غزال هارب تلاحقه بندقية قديمة، وصيّاد حذر يمشي بين اشجار ووريقات خريف تُحدث صوتاً وحفيفاً، فيتنبّه الصقر المحلّق في الاعالي، لينقضّ على ارنب صغير يحاول الجري على تلة مزهرة باقحوانات الربيع.
قصص واخبار وصور تلاحقك في خلال جلسة “قصّ الشعر” السريعة… يرتاح “الزبون” نفسياً. يركن في صمته، يسأل “المعلم فهد” عن كل قطعة، ليبدأ الرجل قصّته الشخصية مع “صالونه” الذي يشبه الى حدّ كبير “لبنان الحقيقي” الذي نبحث عنه.
بدأ فهد بممارسة “مهنة الحلاقة” قبل اكثر من 25 عاما، عندما كان شاباً. تعلّم المهنة من قريب له، ليدير بعد سنوات “صالوناً”متواضعاً وسط القرية، كبر بين يديه كطفل صغير، ليخرّج بعد ذلك عدداً كبيراً من “الحلّاقين” من مختلف المناطق في وقت كان زعماء الحرب يخرّجون كل يوم ميليشيات مسلّحة تزرع الحقد والقتل والبغضاء في كل مكان.
بعد سفر صاحب العمل الى الكويت بفعل الحرب الاهلية اللبنانية وصعوبة الحياة في لبنان، قُدّر لفهد ان يدير الصالون، بعدما انه تسلّم “دفّة السفينة” و”عدّة الحلاقة” من “المعلّم سامي”. ومذاك الحين بدأت رحلة فهد باحتراف هذه المهنة.
الا ان فهد، المعروف بحسّه الفنّي وهدوئه، أضاف الى الصالون لمسة خاصة، حوّلته من مكان عادي الى متحف صغير مليء بالقصص والقطع والاحجار النادرة…
والى صور بيروت القديمة، يمتزج لون الحجر القديم في الصالون بالاضاءة الخفيفة التي تُشعرك بالغربة والدفء في آن واحد… قناديل كاز وباقات من الزهر، “مكنات خياطة قديمة” ومذياع شهد على الزمن، وثريّا استعادت بريقها بحرّاس وملائكة يحملون شعلات النار والنور… كل تلك الادوات والقطع تجدها في صالون فهد على وقع اغاني فيروز القديمة، و”كاسيت” كان غير شكل الزيتون.
السقف القديم الذي استحدثه فهد قبل 3 سنوات، أضاف الى جدران الصالون الزرقاء الحياة والألق… وبين كرسي “الحلاقة”  وجلسة القهوة في الخارج، حديث يطول عن شغف لا ينتهي، وولع بفنّ يستحق التنويه والتحية.
… انتهت الزيارة، لكن المغامرة الخاطفة بين دهاليز فرشاة، وتعرّجات مقصّ لم تنته…

سلمان العنداري

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s