بنين قطايا…بكت يوم قررت الرحيل فهل بكت عائدة معصوبة الحرية

اعيدت بنين الى أهلها. اعادها حماة الدين الى انتمائها الأول. الى العشيرة. احتفال، ثم تسليم وتسلّم. عدد كبير من الوجهاء اجتمعوا للمصالحة وللاتفاق على تجنب الفتنة. جلسوا، كأنهم يقيمون شعائرهم ويقدمون طاعتهم للإله. التقاليد هي آلهتهم وبنين هي القربان. هي الضحية على مذبح المجتمع، وربما السياسة.

بعد اختطاف الأب الياس غاريوس سمعنا لأول مرّة اسم بنين قطايا، ابنة الشيخ الشيعي، التي تعمدت واختارت المسيحية دينا لها. سمعنا انها غادرت منزلها. رحلت الى مكان ما. تركت كل شيء مكانه، واغلقت الباب وراءها. نظرت مراراً خلفها، لكنها في النهاية رحلت. ربما بكت طويلا يوم قررت الرحيل. بكت لانها تعلم ان رحيلها لا رجوع بعده. تحسست اغراض غرفتها وبعض زوايا البيت. على تلك الطاولة تأكل يومياً، وعلى هذه الاريكة تجلس لتشاهد التلفزيون، وعليها ايضا تدير نقاشاتها مع والدتها. وفي هذه الغرفة صرخ والدها في وجهها يوم كانت صغيرة. خطت خطواتها ولا أحد يعرف كيف وصلت الى الباب، وكم مرّة ارادت التراجع. كلها تفاصيل سقطت أمام وقع استسلامها. ما عادت قادرة على الاستمرار. اختلط ضعفها المفترض بشجاعة حملتها على الهروب.
كرر والدها، في معظم إطلالاته الإعلامية، ان ابنته، بنين، كانت تتمتع بكامل الحرية. “صور السيدة العذراء تملأ غرفتها، وكذلك صور السيّد المسيح”. قد يكون الامر صحيحاً، والا لما صمدت بنين كل هذا الوقت. ولكن ما فائدة هذا الهامش من الحرية ان كان لم يستطع ابقاء بنين في منزل والديها؟ ما فائدته ان كان مقتصرا على غرفتها؟ كانت بنين حرّة بين تلك الجدران. لكن خارجها!
هي لم تخرج عن طاعة أهلها، ولو أنهم يتهموها بذلك. بقيت طويلا تحاول فرض امر واقع. تحاول اقناعهم بأن يحترموا خيارها. لم تنجح، على ما يبدو.
عادت مرغمة، لا كما رحلت. المهم انها عادت. لا أحد يعرف ماذا حدث بعيدًا من عدسات المصورين. ماذا قالوا لها، وكيف استقبلوها. المهم عندهم انها عادت لتنتصر ارادتهم، وديعة عند الشيخ محمد يزبك قبل عودتها الى منزلها بضمانات.
على الارجح ان دموعها استقرت على كتف امها التي لا يمكن تقدير ما كانت ردة فعلها. في مثل هذه الامور حتى العاطفة يمكن وضعها جانبا. افتقدتهم طوال الفترة التي غابت فيها عن بيتها، وهم بالتأكيد افتقدوها. رحلت، فقط لتمارس ايمانها بحرية، كما قالت في اطلالتها التلفزيونية. ظهرت تتنهد في احد المشاهد. في قلبها غصة، فهي علمت ان رحيلها لا رجوع بعده. وهي ان كانت حاضرة، الا انها ستبقى في نظرهم “الفتاة التي رحلت”.
وفقا لما قيل تعهد أهل بنين عدم التعرض لها، وهذا ما ترجمه الشيخ محمد يزبك في قوله “نتعهد حفظ الامانة”. نعم، لن يقتل أهل بنين ابنتهم. لن يقيموا الحدّ عليها. ستستمرّ في حياتها، مبدئيا، بفضل عفوهم.
كانت القربان. قربان المحافظة على وحدتهم الوطنية الكاذبة. سلّمت الى ذويها لتفقد كل مقومات عيشها. لن يقتلوها، لكن الحدّ المعنوي سيقتلها، وقد أقيم الاخير عليها قبل عودتها، وربما قبل رحيلها. ماذا ستقول لهم غير ما قد تكون قد قالته. من المفترض انهم انتصروا عليها. اعادوها الى بيت الطاعة بعدما تخلى من لجأت اليهم عن حمايتها. تخلوا عن حمايتها رغم ادعائهم انهم معها حتى النهاية. تخليهم هذا كان منطقيا. هم سيفعلون، كما اهل بنين واقربائها وابناء عشيرتها، اذا ظهرت بنين اخرى من طائفتهم وقررت تغيير دينها. لم ينتزعوا لاجلها سوى تعهد بابقائها على قيد الحياة. وأي حياة؟
هي بنين البقاعية. وهناك بنين في بيروت وأخرى في كسروان والشوف والجنوب و…

علي منتش

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s