الى العونيين … مع محبتي

هالني ان اقرأ الثلثاء عبر الموقع الإلكتروني لـ”النهار” كميات من ردود الإهانات والتجريح، فقط لأن “النهار” انتقدت بشكل قاس قطع الطريق في صربا، والتسبب بـ”خطف” حرية الناس في التنقل وجعلهم “رهائن” في سياراتهم.
قد يكون السبب في دعم الجيش اللبناني ومنع جعله “رهينة” الصراعات السياسية مبرراً، والدفاع عن ضباطه وجنوده أمراً حتمياً. وفي هذا لا نختلف ولا نزايد. وان ندفع القضاء الى التزام المعايير القانونية دون سواها هم مشترك لدينا جميعاً. لكن الأسلوب المتبع، وان مبرراً أحياناً، ليس من “التيار الوطني الحر” وليس من الإصلاح، وليس من المؤسسات، وليس من الدولة التي ننادي بها، بل مظهر ميليشيوي يدّعي “التيار” انه يحاربه ويسعى للقضاء عليه.
وقرأت عبر موقع “التيار” ما هو مضحك أكثر، ومثير للإشمئزاز في الوقت عينه، على عادة هذا الموقع في اللامنطق، مثله مثل معظم المواقع الحزبية في لبنان، التي تحولت مساحة للشتائم، ولما هو خارج المعايير، وخارج المهنية. أقول هذا وأنا واثق من ردة الفعل التي ستصيبني في الموقع المنتشر بكثرة، وان لم يعد الأول كما كان في عهد النضال، يوم كانت القضية، لا النكايات والحسابات الصغيرة، هي أولوية الأولويات لديه.
ولكن لا بد في بعض الأحيان من قول الحقيقة، وان جارحة، وهي للتوضيح وليس للتبرير. فما كتبته “النهار” تعبير عن صرخة مواطنين علقوا في ازدحام كبير لا مبرر له، اذ كان ممكناً الضغط بطريقة أخرى، ومن الأكيد انه يمكن دعم الجيش بطريقة أكثر حضارية، كمثل الإعتصام أمام المتحف الثلثاء مساء، من دون التسبب بالضرر للناس.
علّق “المعلّق” في الموقع على “النهار” بأنها ترى بعين واحدة، فلا تعترض على “حركة الشيخ أحمد الأسير الذي يقطع الطريق منذ ألف ساعة، فيما تعترض على حركة التيار والعماد ميشال عون الإعتراضية لأربع ساعات”.
ولهؤلاء أقول انه من المعيب وضع العماد عون والشيخ الأسير في سلة واحدة، فهذا لا يليق بتاريخ الجنرال الذي ناضل وخاض حروباً ضد الإحتلال السوري، أيدناه جميعاً بها، ورفع الإصلاح وأيدناه أيضاً.
ثم هل تمكن المقارنة ما بين قفل طريق في صيدا، وأوتوستراد يربط الشمال فجبيل وكسروان، بالمتن وبيروت وباقي المناطق، في ظل عدم وجود طرق بديلة، وهي غير حال صيدا طبعاً، حيث المرور متاح بطرق موازية؟
وبعضهم قال ان الجريدة قبضت ثمن المانشيت للتشويش على “التيار”، ولهؤلاء أقول انهم قرأوا السطر الأول من المانشيت. ولم يقرأوا الثاني، وفيه ان “المياومين احتلوا الكهرباء” وفي الكلمة، أي احتلوا، معنى عميق لمن يفهم، لأن الإحتلال للعدو وليس للصديق، وفي وصف المياومين بالمحتلين، تأكيد ان احتلال مرفق عام يحول المواطن عدواً للمصلحة الوطنية، وفي هذا دعم أيضاً لمنطق الدولة ودفاع عن المؤسسات. وتزايد العبارة نفسها على وزير الطاقة في وصفهم، وتسبقه بأشواط. وبالمختصر تؤيد موقفه وتدعمه في ما ذهب اليه في هذا الملف. فكيف يُقرأ المقال نفسه بعين واحدة، لا تقبل النقد، ولا ترى الإيجابيات أيضاً؟ مؤسف ان تكون العين الواحدة الناظرة مصابة أيضاً بضعف النظر، وان يكون الفهم مصاباً أيضاً.
ثم هل دفع جبران باسيل ثمن السطر الثاني من المانشيت؟ وهل ان المانشيتات التي تدافع عن سياسات “التيار” مدفوعة الثمن كتلك التي تعارضه؟ وهل يدفع الجنرال ثمنها؟ وماذا عن صحف كانت صديقة لـ”التيار” فإذ بها تنقلب عليه؟ فهل توقف “التيار” عن الدفع؟…
لقد بنيت صداقتي مع “التيار” انطلاقاً من شبان شرفاء، مناضلين للحقيقة، وللسيادة، والحرية، والإستقلال، ومؤمنين بلبنان، المتعدد، المتنوع، المختلف. هكذا نشأت علاقة صداقة وأخوة مع كثيرين، اذكر منهم انطوان نصرالله. وسامر مشعلاني، ونعيم عون، والان عون (النائب) وخليل حجار، ورنا لطيف وغيرهم، وكنا نلتقي للسهر مع آخرين، خصوصاً في الحزب التقدمي الإشتراكي، يوم كان الإشتراكي في المقلب الآخر (مع السوري، اليوم انقلبت الأدوار لمن يقرأ ويتابع)، وكانت الحوارات مبنية على فكر ووعي وقبول للآخر المختلف.
واذكر ان أحدهم في “حزب الله” (وكان في موقع المختلف جداً عن التيار) قال لي يوماً انه يحترم شباب “التيار” رغم اختلافه العميق في التفكير والرؤية. “لأنهم يدافعون عن أفكارهم ويناضلون من أجلها، وبطريقة حضارية”، وكنا نتحدث على هامش ندوة طالبية في الجامعة اليسوعية. وكنا نرى ان المستوى العلمي والإجتماعي لطلاب التيار، ونضالهم في الشارع، وعدم اعتمادهم العنف وسيلة، بل التعبير الحر، ولو كلفهم الأمر، سجناً وضرباً واهانات، ميزتهم كثيراً عن غيرهم.
بالأمس، وفي الأيام الماضية، صار المشهد مختلفاً، وهو صار كذلك منذ زمن بعيد، صور لقطع طرق وحرق إطارات، تشبه أساليب الحلفاء على طريق المطار، والخصوم في قرى عكارية. بالأمس، صار المعترضون أمام مؤسسة الكهرباء، كالمياومين الذين يراشقون بالحجارة.
بالأمس صار العونيون لا يقبلون النقد على أنواعه، ويوزعون التهم الرخيصة بسهولة بالغة رداً على أي اعتراض، كأن لا حجة ولا أسلوب اقناع أو دفاع لديهم الا الهجوم.
بالأمس ترحموا على جبران تويني لأنه بالتأكيد كان سيدعم الجيش، لا ظاهرة الأسير على قولهم، وأنا أيضاً ترحمت على جبران تويني، وقلت انه حسناً ألا يرى كيف يتعامل مع جريدته الذين وقف الى جانبهم ابتداء من “حركة دعم التحرير” في بعبدا، وصولاً الى الإقامة الباريسية، مروراً بالنضال في الجامعات، وخصوصاً في جامعة القديس يوسف، ولنشر البيانات الممنوعة التي عرضته للملاحقة،…
بالأمس سأل “كاتب” عبر موقع “التيار” اذا كان الديك ما زال يصيح، وأنا أقول له انه يصيح للحقيقة كل صباح، لكن ثمة من لا يسمع، أو لا يريد ان يسمع تلك الحقيقة، بعدما تبدل، وغيّر جلده، وسياساته، ومبادئه، وتحالفاته، أي انه تغيّر كلياً. وبدل ان ينظر الى المرآة، علّه يتعرف الى ما خلف قناعه، صار يحاول تبرير قناعاته الجديدة، بإلقاء التهم على الآخرين.
فيا أيها الأصدقاء في التيار، أو من تبقى منهم، أنا معكم في تأييد الجيش ودعمه، والمحافظة عليه، وأنا معكم في التغيير والإصلاح، ومعكم في معركة المياومين، بعض المياومين، لأن لبعضهم الآخر حقاً أكيداً، وأنا معكم في النسبية، ومعكم ومعكم…فهلا تعودون لتكونوا مع أنفسكم …ولا تخذلوننا؟

أقول كل هذا انطلاقاً من محبتي.

غسان حجار

 

 

 

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s