RIM تعاني وانقاذها متعثر: “بلاكبيري” خسر موقعه… لكن الأوفياء كثر

على مدى التاريخ الحديث لعصر التكنولوجيا، عرفت الأسواق شركات كبرى وصلت الى القمة، لكنها سرعان ما هوت و”اختفت عن الشاشة” كما الطائرات التي تغيب عن شاشات الرادار. بعد خمسة أعوام من النجاح السريع الذي سجلته، تبدو “ريسرش إن موشن” (RIM) الكندية، صانعة “بلاكبيري”، سائرة على الدرب نفسه.

قبل خمسة أعوام، كان هاتف “بلاكبيري” بمثابة “نجم الروك” في سوق الأجهزة الذكية الناشئة في حينه، والتي لم تكن قد وصلت بعد الى مستوى التنافس والابتكار الذي تشهده حالياً. تحول الجهاز الاكثر من هاتف، رمزاً لمجتمع الاعمال الباحث عن دخول سوق الاتصالات اللاسلكية، واكتسب “مدمنين” من رجال أعمال وموظفين، قبل ان يعرف طريقه رويداً رويداً الى أيدي الجمهور الاوسع، ولاسيما منه جيل الشباب.
تحدث رجال الأعمال عن “ظاهرة الرجرجات” (vibrations)، التي دفعت مستخدمي الجهاز الى البحث عنه كلما شعروا بأن “شيئاً ما” تغير فيه، حتى وإن لم يكونوا في حاجة اليه. كتب المستثمر التكنولوجي مارك آفريت في صحيفة “النيويورك تايمس” عام 2007 عن الجهاز “الذي تحول ككلب بافلوف، وولّد لدى مستخدميه شوقاً الى استخدام لوحة مفاتيحه أو سماع رنينه لدى وصول رسالة شخصية جديدة”.

“الاحباط”
تغير الكثير الاسبوع الماضي، والأدق ان الخميس الماضي كان يوم طفا الكثير على السطح. فالشركة وجهازها يعانيان منذ مدة طويلة، ولاسيما بعدما الفورة غير المسبوقة للهواتف الذكية، علماً ان “بلاكبيري” كان يصنّف في هذه الخانة. حال “ريسرش إن موشن” مع الهواتف الجديدة تشبه حال “نوكيا” مع انتشار الهواتف الذكية: وجدت الشركة الفنلندية (نوكيا) نفسها معزولة في سوق آخذة في النمو، بعدما احتكرت هي لسنوات طويلة سوق الهواتف الخليوية التي باتت أرقامها اشهر من نار على علم.
ارتكز “بلاكبيري” على قاعدة شعبية أساسها مجتمع الأعمال ولاسيما في الدول المتقدمة، التي أفادت من خدماته في تسيير شؤونها، مطمئنة الى ان خوادم الشركة الكندية “في الحفظ والصون”، ولا تخضع لرقابة دول او شركات منافسة. لكن مع التنافس الحاد الذي طور سوق الهواتف الذكية في مدة قياسية، وجدت “ريسرش إن موشن” نفسها متخلفة عن اللحاق بالركب: هذا “بلاكبيري” وهذه حدوده. “آي فون” قادر على ان يوفر لمستخدميه تطبيقات يستخدمونها من الصباح الباكر الى تناول القهوة فطعام الغداء فالسهر، وحتى اثناء نومهم. وكلما ازداد التنافس في سوق الهواتف الذكية مع “سامسونغ” وHTC وغيرهما، توافرت للمستخدمين مجالات أوسع، وشعر “بلاكبيري” بأنه يتيم في السوق التي افتتحها.
لم تفاجىء الشركة الكثيرين عندما عرضت أرقامها الاسبوع الماضي، معلنة في الوقت عينه انها ستتخلى عن 5 آلاف وظيفة لأسباب شتى، منها انها سجلت خسائر في الربع الأول من 2012 وصلت الى 518 مليون دولار، وانخفضت مبيعاتها بنسبة 40 في المئة عن المدة نفسها من العام الماضي. ومما زاد الطين بلة، إعلان الشركة ان نظام التشغيل الجديد الذي تطوره، سيتأخر إطلاقه حتى السنة المقبلة، اي بعد نحو عامين من موعده المقرر.
لم ينته الأمر عند هذه الحدود. فلعبة الارقام التي تشكل حلقة مفرغة وقاتلة في الوقت عينه، تشير الى ان سعر سهم الشركة فقد 70 في المئة من قيمته خلال سنة.
المثير للسخرية ان “ريسرش إن موشن” أعلنت أرقامها الكارثية في اليوم الذي سبق احتفال “آي فون” بعيده الخامس. في خمسة أعوام، طوّرت “آبل” للمستخدمين جهازاً جاذباً فرحاً يقدم اليهم كل ما يريدونه، وشيئاً فشيئاً أصبح “بلاكبيري” الهاتف الذي يقدمونه اليك في العمل، بكل ما يعني الأمر من ارتباطات والتزامات وتأفف.
في مجلة “تايم” الاميركية، رجح الخبير التكنولوجي ليف غروسمان ان تؤدي النسخة الجديدة من “آي فون” في سوق الهواتف الذكية، الى الاثر نفسه لجهاز “آي بود” في سوق المشغلات الموسيقية: السحق تحت الوزن الهائل لتفوقه. اضاف: “هذه أخبار سيئة لكل من يصنع هواتف خليوية، لكنها جيدة لكل من يستخدمها”.
يرى المحللون ان RIM تحركت ببطء، ولم تتمكن من التأقلم في عالم يتبدل مع غروب الشمس، انطلاقاً من اعتبارها ان مجتمع الأعمال يريد هواتف آمنة يعتمد عليها، ولن يرغب في شراء أجهزة توفر له تسلية.
تلقت الشركة “ضربة” أخرى من “غوغل”، التي أطلقت عام 2008 نظام تشغيل “أندرويد”، وجعلته متاحاً لكل الشركات المصنعة للهواتف الخليوية في العالم. وحالياً، عدد الهواتف العاملة بهذا النظام يزيد عن عدد هواتف “آي فون” المتوافرة في الاسواق.

عودة ممكنة؟
تقبع الشركة وجهازها في وضع لا يحسدان عليه، اذ لا يمر يوم من دون ان تذهب معه أدراج الرياح احتمالات عودة “بلاكبيري” الى المكانة التي احتلها في سوق الهواتف الذكية. ففي حال أطلقت الشركة جهازها الجديد مطلع 2013 كما وعدت (علماً انها نكثت بوعودها سابقاً)، سيكون لدى المستهلكين خيارات أخرى، منها النسخة الجديدة المتوقعة من “آي فون”، واستمرار “سامسونغ” وغيرها من الصانعين في بيع هواتف جديدة تعمل بنظام “أندرويد” الدائم التطور، وصولاً الى نظام “ويندوز” الذي سيجد طريقه قريباً الى الهواتف الذكية.
لا يبدو ان الزبائن الاوفياء لـ “بلاكبيري” مستعدون لتحمل المزيد، ولاسيما في ما يتعلق بالتأخير المتكرر في إطلاق جديد الشركة، فاللافت ليس انخفاض مبيعات الهاتف وخصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية، بل انه لم يعد يستحوذ على سوى 4 في المئة من سوق الهواتف الذكية فيها!
هل يعني هذا ان “بلاكبيري” بات جهازاً من دون فائدة؟ على رغم ان المستقبل لا يبدو مشرقاً، ما زالت الشركة تحظى بـ 78 مليون مشترك ونحو ملياري دولار من السيولة، لكن من الصعب رؤيتها تعود الى “مجد” مطلع القرن الـ 21، عندما احتكرت الشركة سوقاً بكراً بلا منافسين. لكن الواضح ان العثرة التي وقعت فيها ليست سهلة، وإعادة تسلق “جبل” سوق تنافسية سيكون جهداً مضنياً قد لا يعطي النسق السريع لعالم اليوم مجالاً طويلاً لاتمامه.

تراجع RIM في تواريخ
■ 15 أيلول 2011: كشفت الشركة تراجعاً حاداً في مدخولها الصافي والعائدات في الربع الثاني من السنة المالية، وبيع عدد أقل بكثير من المتوقع من أجهزة “بلايبوك” اللوحية.
■ 10 تشرين الأول: تعطل خدمات البريد الالكتروني والانترنت ثلاثة أيام، ولاسيما في شمال أميركا.
■ 25 تشرين الأول: تأخير اطلاق نظام تشغيل محدث لـ “بلايبوك”.
■ 2 كانون الاول: أعلنت الشركة اضطرارها الى بيع كميات كبيرة من “بلايبوك” بأقل من سعرها، وانخفاض مبيعات “بلاكبيري” في أشهر الاعياد.
■ 15 كانون الاول: تأخير إطلاق الهواتف التي اعتبرتها “حاسمة” بالنسبة الى مستقبلها، حتى نهاية سنة 2012.
■ 22 كانون الثاني 2012: استقالة الرئيسين التنفيذيين مايك لازاريديس وجيم بالزيلي، وتعيين ثورنستون هاينز بدلاً منهما.
■ 21 شباط: إطلاق نظام تشغيل محدث لـ “بلايبوك” بعد طول انتظار.
■ 29 آذار: استقالة بالزيلي من مجلس الادارة، وتسجيل خسارة بلغت 125 مليون دولار.
■ 1 أيار: الاعلان عن نماذج جديدة من الهواتف الذكية مزودة شاشة تعمل باللمس.
■ 29 أيار: أعلنت الشركة تسجيل خسارة تشغيلية والتحضير لعمليات طرد “مهمة”.
■ 20 حزيران: بدء الاستغناء عن موظفين ضمن خطة اعادة هيكلة لتوفير مليار دولار سنوياً.
■ 25 حزيران: بلغ مستوى سعر سهم الشركة أدنى مستوياته منذ عام 2003.

كريم أبو مرعي

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s