مقهى الروضة لا يزال صامداً: رئة بيروت التي تتنفس من بحرها

في المقهى المجاور للبحر، يجلس شابان الى إحدى الطاولات الموزعة في شكل منتظم في عشوائيته. وجهاً إلى وجه، رأساهما مخفوضان نحو الطاولة. من البعيد تظن انهما ينعمان النظر في جزيئية تمشي على الطاولة. صوت النرد الذي يقرقع على الطاولة الخشبية يكشف القضية، يسحب أحدهما نفساً عميقاً من نرجيلته ويخرج سحابةً بيضاء من فمه كأنه تنين! وضعه مستقر، لا بد انه متقدم على غريمه في مباراة “طاولة الزهر”. يرتشف الخصم من فنجان الشاي، والعرق يرسم على قميصيهما خرائط… لا بد أنهما هنا منذ زمن.

في إحدى الزوايا، عاشقان يتبادلان النظرات واللمسات. يضحكان في سرّهما. تحمر الوجنتان، يدفع القشة نحو شفتيها. تسحب قليلاً من عصير البرتقال، ثم تتدلل عليه بنظراتها. كان يحترق في مكانه. يراقب بطرف عينيه الندلاء، كأنه يحاول ان يسترق قبلة سريعة. صوت قهقهةٍ يخترق رومنسية العاشقين.
رجل خمسيني يجلس على كرسيٍ لم تتسع لحجمه الدائريّ، يحوطه عدد لا بأس به من الرجال والنساء والأولاد. يتناولون طعاماً وزّع في شكلٍ هندسي على ثلاث طاولات. تقلّب نظراتك بين الموجودين، لترى رجلاً غارقاً في أوراقه، يكتب. يقرأ. ثم يمزّق الأوراق. وآخرٌ غارقٌ في الأفق البعيد، عند النقطة التي تجتمع بها السماء مع البحر. تسلسل الأفكار يبعده عن ضجيج المكان.
مقهى الروضة، هو آخر ما تملكه بيروت القديمة من مقاهيها، خصوصاً بعدما سلّمت “بيادقها” الى القيصر، فجددها وألبسها اللباس الأوروبي، تماماً كما حدث لـ “الهورس شو” الذي بات اليوم مقهى “Costa”.
“هنا، تجتمع فئات المجتمع على اختلاف تراتبيتها الطبقية، ولاسيما ان أهم رجالات السياسة والفكر والفن يرتادون الروضة”، يقول سعد الكردي (25 سنة) الذي يقصد المقهى منذ أكثر من 7 سنوات، ويؤكد انه “الوحيد الموجود على الكورنيش حيث يمكنك ان تجلس وتشرب فنجان قهوة بسعر معقول ويتناسب معك كشخص عادي لا ينتمي إلى طبقة مخملية، وهذا ما كنت اقوم به عندما كنت تلميذاً”.
يرى الكردي ان “جمالية المقهى تكمن في قدرته على جمع الناس، فمشهد ان ترى المثقفين والفنانين والشعراء معك في المقهى نفسه أمر مهم ومميز بالنسبة الي، فإلى الطاولة المجاورة مثلاً يجلس أحمد قعبور ويرتشف قهوته. هذا الفنان الذي ربيت على أغانيه وصوته، يجلس معي في المقهى نفسه… هذا أمر رائع”، ويتابع: “مقهى الروضة من المقاهي القليلة التي تقدم اليك “طاولة الزهر” أو “ورق الشدة” من دون مقابل، وهذا يحفزنا لكي نأتي إلى هنا، اضافة إلى أنه المقهى الأخير في بيروت الذي يعكس صورتنا الثقافية، وهي الصورة التي يبحث عنها السائح”.
وجيه العجوز (24 سنة) الذي يعشق البحر، يروي قصته مع مقهى الروضة الذي كان يزوره طوال سنوات نشأته، وأصبح “من الماضي” بالنسبة اليه، بعدما منعت الادارة الجديدة تقديم الكحول الى الزبائن، مما خلق حاجزاً أمام العجوز: “لم أكن أذهب لكي أثمل، وفي أقصى الحالات كنت أرتشف زجاجة بيرة، علماً أنني لا أرتاد المقاهي التي تقدم النراجيل، إلا أنه المقهى الوحيد الذي أزوره غير آبه باقتناعاتي، إيماناً مني بأن النظر إلى البحر يردّ الروح. وحين اتخذ قرار منع المشروبات الروحية شعرت بأن ثمة استهدافاً لشريحة كبيرة من الناس التي ترتاد المقهى، اضافة إلى كونها محاولة لتغيير هويّة المكان”. وقال: “شعرت بأنني استهدفت من خلال هذا القرار، ولم أعد أزور المقهى رغم أنني أعشق البحر”. تتفق سارة البابا (26 سنة) مع العجوز في موضوع المنع، وتسأل “أليس من حقنا أن نشرب البيرة أمام منظر البحر؟”. لها ذكريات كثيرة في المقهى، ولاسيما انها امضت طفولتها هنا: فيه لعبت بالكرة، هنا ركضت، وقعت، بكت وسهرت، واليوم ترتاد الروضة مع اصدقائها، تراجع دفتر ذكرياتها المرميّة في زوايا المقهى، تدخن النرجيلة، تلعب “طاولة الزهر”، والسبب الأساسي: “الأسعار معقولة وتتناسب مع الجميع. تربطني بهذا المقهى ذكريات طفوليّة، الا ان القيمين عليه حالياً يتصرفون وكأنهم يريدون إبعادنا، فتارة يمنعون الكحول وطوراً يردمون البحر ويدعمون السنسول بالباطون المسلّح… البحر يبتعد عني وعن الرواد الآخرين يوماً بعد يوم. أصبحت المسافة بعيدة، بدأت الروضة تفقد رونقها”.
عام 1978، تعرف الممثل رفيق علي أحمد الى مقهى الروضة، بعد اشهر من انتقاله للإقامة في بيروت. وانطلاقاً من كونه إبن ريف، لم يجد لنفسه مكاناً بين الجدران التي تحاصر المقاهي في شارع الحمراء، فوجد في مقهى الروضة عناصر الحياة التي تربى عليها، فحوّل المقهى مكتباً خاصاً لأعماله، هو الذي كان يجري مقابلاته الصحافية ويكتب نصوصه المسرحية ويعقد إجتماعاته العمليّة. “إنطلاقاً من أنني لا أملك مكتباً، حولّت طاولات مقهى الروضة مكتبي، فهذا المكان يشبهني كثيراً، يمكنك ان تجلس هنا بين الناس، ويمكنك ان تنزوي متى شئت، وخصوصاً انني آتي إلى هنا مرّتين يومياً، قبل الظهر وبعده”. رفيق علي أحمد شاهد على أجيال مرّت من هنا، وكان حاضراً في كل مراحل الترميم والتحسين، ويقول: “الادارة الجديدة استحدثت أموراً مهمة في المقهى وقامت بتغييرات، وأتمنى ألا تسير على نهج المقاهي الأخرى في بيروت، تلك التي تخضع فيها للتفتيش الدقيق متى دخلت وخرجت… هذا المقهى هو رئة بيروت”.
مقهى الروضة لا يزال صامداً في وجه الأمواج العاتية، وثورة الباطون التي شنتها كبرى شركات الاستثمار في بيروت. مقهى الروضة إرث بيروت، آخر صرحٍ للأيقونة “أبو العبد البيروتي”، هذه الشخصية الخيالية التي كان المقهى بيتها. خسرت بيروت المقهى تلو الآخر، فـ”قبضايات” مقهى “المتوكل على الله” هجروا محلّة البسطة، وشعراء ومثقفو وفنانو “كافيه دو باريس” و”لاروندا”، ومقهى “المودكا” هجروها ايضاً، ولحقهم رواد “سيتي كافيه” وقهوة القزاز و”الدولتشي فيتا” وغيرها من المقاهي التي شهدت الثورات الشعبية والأدبية والفكرية والسياسية في بيروت، فكانت شاهداً على التطور الذي واكبته المدينة منذ عام 1940، وكانت بمثابة مؤرخ لتاريخ شعبٍ لا يعرف الانكسار، يخوض حروباً ولا يُدمَّر.

سليم اللوزي

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to مقهى الروضة لا يزال صامداً: رئة بيروت التي تتنفس من بحرها

  1. Jamil Chatila says:

    ان ردم البحر بالأسمنت المسلح لدعم السنسول البحري يتم من قبل الجار المحترم “الحمام العسكري” من جهته وفي املاكه

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s