عن حلا جسر العبور من اليأس الى الأمل

دخلت اروقة مكان يعج بسكون صاخب يخرقه ضجيج بين الحين والآخر، لتستمر رحلة بدأت مع الموت وانتهت بلقاء ثان مع الحياة.
اسمها حلا، ابنة الخامسة عشرة، اعطت الحياة ما عجزت الحياة عن ان تقدمه الى نفسها… أيام، أسابيع، شهور، سنوات… لحظات وآمال اختصرتها “فرصة”.
عندما يعجز الكلام عن الوصف، تبقى الصورة لترسم بحروف صامتة ولادة حياة من الموت! من المؤكد ان الاسباب تتعدد ليبقى الموت واحداً، ولكن لحلا سببها للحياة لتبقى حياتها متعددة.
اعتقد الاطباء ان حلا لن تنجو من حادثة الدهس التي تعرضت لها اثناء عبورها الطريق المؤدية الى مدرستها، وغالباً ما يكون الاطباء على خطأ. ولكن حصل ما لم يكن في الحسبان! غابت حلا في سبات عميق، وفقد ذووها الاتصال بها… هي الحاضرة الغائبة، كانت تعد لرحلة تعود بها الى الحياة بآمال لمن فقدها.
والدها الذي جلس قابعاً قرب جسدها النحيل، التفت الى الطبيب طالباً منه البدء بمرحلة التحضير لعملية استئصال اعضاء ابنته. فوجئت عائلة حلا بقرار الوالد الذي أبى إلا ان يكون لخطوته صدى يعكس روح حلا الطاهرة… التي وجدت نفسها، في يوم من الايام، في فرح العطاء. شرع الاطباء، بعد سلسلة من الفحوص التي اجروها، في عملية الاستئصال.
في جوار غرفة العمليات اصطدمت مشاعر تأرجحت أحاسيس بين الوعود واليأس، وبين الابتسامات الخجولة والنظرات التائهة. الكل كان على موعد… ضاقت الساعات وطال الانتظار، من عملية استئصال الى عملية تجميل يخرج منها الأمل بناظري حلا العسليين… وكم كان يشبهها!
لوهب الاعضاء من ينتظره. أشخاص في حاجة الى قرنية، او كبد، او ربما قلب ينبض اياماً جديدة. عدنان، طفل الربيع السابع، يعشق رونق الحياة، فرسمها بريشته البريئة. له قصة قلب تعب باكراً فجعله ضعيفاً في انتظار الفرج. فرج قرع بابه حاملا الأمل الى حياته. لائحة الانتظار كانت طويلة، وقلب حلا رفَّ ليرسو مكانه في كنف جسد عدنان، بعدما خلص الاطباء الى ان الانسجة متطابقة.
وفي عتمة ليالي تشرين، كانت غيدا جالسة، بعد طول رحلة في البحث عن قرنية عساها تبصر النور من جديد. سنوات مضت وابنة الثانية والعشرين تنتظر الامل الذي نظر اليها في تلك الليلة بعيني حلا…
كثر هم الذين يعيشون لحظات انتظار طويلة ليحصلوا على عضو من واهب، فوهب الاعضاء وجه من وجوه ما يمكن ان يقدم الانسان الى الآخر، لا بل الى الحياة ايضاً. اقتادت الايام حلا الى مثواها الاخير باكراً. هي التي لم تفارق الاحلام والامال كيانها. ماتت وفي موتها عطاء للانسان.
لا! حلا لم تمت! هي نبضات قلب عدنان وابتسامة عيني غيدا… هي حياة تروي عطش عروق كل من افاد من عطائها… هي حلا، جسر عبور الاشخاص السبعة من اليأس الى الامل، من الظلمة الى النور، من الصمت اللاذع الى صخب الوجود، من الموت الى الحياة…
هي حلا… مثل يقتدى به! فان كان الخلق لله فالحفاظ على الحياة من شيم الانسان. دخلت اروقة مكان يعج بسكون صاخب يكسره ضجيج بين الحين والاخر لتستمر رحلة بدأت مع الموت وانتهت بلقاء ثان مع الحياة. اروقة اجتمع فيها الاشخاص السبعة، صامتين، يستمعون الى تلك الصورة التي نطقت وكانت اولى نبضاتها… حلا!

سيرين صغيره

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s