لبنان بعيد من الحكومة الالكترونية واستراتيجيتها تصطدم بـ “شدّ حبال”

تضع التطورات التكنولوجية المتسارعة الدول أمام تحديات تكون صعبة أحياناً، تحتّم عليها مواكبتها واللحاق بها للعبور الى مجتمع يتمتّع بالأهلية لبلوغ المستوى المطلوب للتواصل مع مجتمعات أخرى قد تكون سبقته الى قطف استثمار التكنولوجيا وتوظيفها بما يخدم الدولة والمواطن على السواء. والحكومة الالكترونية هي أحد تجليات ما يفرضه التطور التكنولوجي وتنامي استخدام الانترنت في كل المجالات، وللبنان في هذا السياق تجربة خجولة رغم محاولاته لتعزيز نموه الإقتصادي وإنتاجيته، فأين أصبحت حكومتنا الالكترونية؟ وما هي أبرز المعوقات التي تحول دون تطوّرها؟

موقع لبنان الكترونياً

في تعريف سريع للحكومة الالكترونية، يقول أستاذ المعلوماتية الإدارية وأنظمة صناعة القرار العميد المشارك المسؤول عن البحوث في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت البروفسور ابرهيم عثمان، الذي عمل مع دول عدة باحثاً في قياس المؤشرات لعمل الحكومات الإلكترونية، انها “نظام تتبناه الدول لربط المؤسسات بعضها ببعض بالاعتماد على الانترنت، وربط خدمات الدولة بالمواطن والشركات عموماً. والهدف منها وضع المعلومات في متناول الجميع من أفراد ومؤسسات لايجاد علاقة شفافة، والوصول اليها بسرعة ودقة، وتعني اعتماد المواطن والمؤسسات على الدولة مباشرة مما يؤدي الى مزيد من المواطنة والشرعية والمشاركة في صناعة القرار، وكذلك تساعد في النمو الاقتصادي  وحماية البيئة”.
من شأن الحكومة الإلكترونية ان تجعل العلاقة بين المواطنين والمسؤولين أفقية، لكن في بلد كلبنان هل يقبل المسؤولون بعلاقة مع المواطنين تلغي سلطتهم و”تسلّطهم”؟ يلفت عثمان الذي شارك في ورشة عمل حول الحكومة الالكترونية (e-government) نظمتها كلية العليان ورمت الى تحليل أداء الحكومة الالكترونية من وجهة نظر متلقي الخدمات الالكترونية ومقدّمها مقارنة مع نموذج يشمل الكلفة وتوافر الفرصة والفائدة وتحليل الأخطار، الى أهمية هذا الطرح الذي تنطلق منه حملة الحكومات الإلكترونية، موضحاً ان الأمم المتحدة تقوّم مدى الاستخدام الالكتروني في الدول “وبعدما كان لبنان في المرتبة 93 بين 190 بلداً عام 2010، تقدّم الى المرتبة 87 سنة 2012، لذا على المسؤولين ان يجهدوا في رفع مرتبة لبنان في الاستخدام الالكتروني، وأيضاً يجب المساهمة في تقدم لبنان إقتصادياً من طريق الاعتماد على التكنولوجيا اي الانترنت ومواهب اللبنانيين وقدراتهم، وبحسب مؤشر الابتكار العالمي 2011 احتل لبنان المرتبة الثالثة لجهة الابتكار والمواهب، وهذا يشجع الدول على الاستثمار في بلدنا”.
وعن أفق الحكومة الإلكترونية في لبنان، اعتبر ان وضعها “غير مُرضٍ”، ولا يرى مؤشراً لبلوغها في وقت قريب، لاسيما في غياب آلية العمل الفاعلة وعدم إشراك القطاع الخاص في خطة وطنية شاملة. “نحن نقيس الأداء الالكتروني من جهات ثلاث: المواطن، مزوّدو خدمات الانترنت والمسؤولون في الحكومة، بالاعتماد على تبيان إيجابيات استخدام الحكومة الإلكترونية لناحية توفير الوقت والمال والجهد، والمقارنة بين القيمة التي يحدثها العمل الحكومي الالكتروني والعادي”.

الحكومة الالكترونية اللبنانية

في أواخر 2007 بدأ العمل على استراتيجية للحكومة الإلكترونية وضعتها وزارة التنمية الإدارية بالتعاون مع رئاسة مجلس الوزراء، وتقوم على أربعة أسس هي: ان تكون تكنولوجيا المعلومات فرصة لإعادة هندسة المعلومات وتبسيطها، التواصل مع المواطن كي يكون هو نفسه هدف تصميم المعاملات وليس الإدارة، التواصل الإلكتروني مع مجتمع الأعمال وتحديداً المستثمرين، ومع المجتمع عموماً بهدف التواصل الإنمائي والإجتماعي. وبين عامي 2007 و2010 لم ينجز شيء كامل يمكن الحديث عنه، لكن منذ عام 2010 استحدثت في وزارة التنمية الإدارية “وحدة الحكومة الإلكترونية” بإدارة الدكتور علي عطايا، وقد وضعت خطة للنهوض بمشروع الحكومة الإلكترونية. “وضعنا خطة خمسية تنتهي سنة 2015 وتلحظ أموراً عدة منها الإطار القانوني، فنحن ننتقل من معاملات عادية الى الكترونية ويجب ان ينظم هذا الموضوع قانونياً، ومشروع قانون الرقم الموحد للمواطن اي اعتماد رقم موحد في التبادل البيني بين الإدارات لربطه بالمعاملات، فيحل الرقم مكان الاسم ويسهّل المعاملات الإلكترونية و وهناك أيضاً مشروع قانون إنشاء وحدات معلوماتية في الإدارات الرسمية، مما يعني وجود رزمة الكترونية وكل ما له علاقة بتحويل الورقي الكترونياً”.
كما ان وزارة التنمية الإدارية مفوضة من مجلس الوزراء بإنشاء مركز معلومات وبوابة الحكومة الالكترونية التي التزمتها إحدى الشركات الإيطالية على ان تُنجز مطلع 2013 تمهيداً للتبادل البيني بين الإدارات والذي يبقى رهن القرارات الإدارية والموارد البشرية والمادية والتقنية، “وهي تجمع كل الوزارات في موقع الكتروني واحد، وتوفر لجميع اللبنانيين المقيمين والمغتربين المعلومات الأساسية والضرورية لانجاز معاملاتهم في القطاع العام، كما تتيح الولوج إلى معلومات قد تهم المواطن من خلال ربطه بمواقع الكترونية أخرى”. ويبقى التجهيز الالكتروني منوطاً بكل وزارة على حدة، فوزارة التنمية تعمل كأداة مساعدة للإدارات غير الممكننة بناءً على قرار منها، من هنا السؤال عن سياسات ملزمة تجبر الإدارات على اتخاذ قرار بالمكننة والانتقال الى العمل الإلكتروني يكون عاملاً محفزاً للسير بالحكومة الالكترونية، لاسيما مع مرور الوقت وتعاقب الوزراء وتباين الآراء، وأحياناً رفض البعض للتغيير بسبب بعض الفوائد والمنافع والمصالح أيضاً، وخصوصاً ان الحكومة الإلكترونية تعني شفافية في العلاقة بين المواطن والمسؤول. يقول عطايا: “ما من شيء ملزم، لكننا نعمل على وضع معايير ملزمة للمواقع الإلكترونية الخاصة بالإدارات الرسمية بقرار من مجلس الوزراء. وتختلف آراء الوزراء بين من يحارب الحكومة الإلكترونية لمجرد رفض التغيير أو لأنها تمنع عنهم شيئاً ما”، غامزاً من قناة الفساد.
وفي الحديث عن البنى التحتية، لا يمكن قيام حكومة الكترونية وسط واقع الانترنت المتردي في لبنان. ويشير عطايا الى ان عملهم يتمحور مع 3 وزارات أساسية: “الداخلية والبلديات في موضوع إثبات الهوية، وزارة المال في موضوع الدفع الالكتروني، ووزارة الاتصالات في ما يتعلق بالبنى التحتية، والأخيرة تعمل على مشروع لتوسيع الـ”Broadband” ليغطي بيروت الكبرى كمرحلة أولى، وهذا يسمح بقيام شبكة في قسم كبير منها تعمل على ألياف بصرية لتتحسن خدمة الانترنت. وثمة حملة لإنشاء مراكز موزعة على المناطق اللبنانية كجزء من اللامركزية الإدارية، لتعليم المواطنين استخدام الانترنت كي يتمكنوا من إنجاز معاملاتهم الكترونياً. كما نعمل على مشروع “الشباك الموحّد” الذي يتيح للمواطنين الذهاب الى مكان واحد لتقديم معاملاتهم ومتابعتها ولاحقاً عبر الانترنت”.
وإذ يأمل في إشراك المجتمع المدني قريباً في استراتيجية الحكومة الإلكترونية، يشير عطايا الى انهم يعملون اليوم على ان تكون هناك استمارات إلكترونية ومعاملات إلكترونية من دون أن يكون التوقيع والدفع الإلكترونيين أساسيين فيها كمرحلة مبدئية، ويتحدث عن خدمات إلكترونية متوافرة في عدد من الوزارات عبر البوابة الإلكترونية، وهي 134 خدمة إلكترونية مقدّمة من الوزارات كالبيئة والتربية والتعليم العالي والمهجرين والزراعة والاقتصاد والتجارة وغيرها، و78 خدمة من المؤسسات العامة من بينها مجلس الإنماء والإعمار، الصندوق المركزي للمهجرين، تعاونية موظفي الدولة، مؤسسة كهرباء لبنان، الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي وهيئة أوجيرو وسواها.

معوقات

ترى منسقة الاستراتيجية الوطنية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في رئاسة مجلس الوزراء سلام يموت ان لبنان بعيد جداً من الحكومة الإلكترونية “قبل 10 سنين بدأ الحديث عن حكومة الكترونية في لبنان، لكننا نواجه تأخيراً لأسباب عدة منها ان الإصلاح الإلكتروني مرتبط بالإصلاح الحقيقي والمسؤولون يعتبرون ان ثمة أولويات أخرى في لبنان ينبغي الالتفات اليها وحلها قبل التفكير بحكومة الكترونية. وهناك أيضاً نقص الموارد البشرية، فخريجو التخصصات التقنية يجدون فرص العمل خارجاً، اضافة الى ضعف الموارد المالية في غياب بنود المكننة من الموازنة العامة، فمكننة الوزارات تتطلب ملايين الدولارات وعلى كل وزارة تخصيص ميزانية مالية للتأسيس للحكومة الإلكترونية والمبادرة يجب ان تبدأ من الوزارات حيث يبدأ رأس الإصلاح الإداري والذي لا يمكن تحقيقه من دون التنسيق والتخطيط بين الوزارات كمرحلة تالية”.
وعن الخطة الحالية تقول “إنها لا تنفذ بفاعلية بسبب عدم اعتبار الحكومة الإلكترونية أولوية وغياب روح الفريق من العمل، لكني متفائلة كوني أعمل في ظل رئاسة مجلس الوزراء حيث ثمة خطة إقتصادية إجتماعية يتم العمل عليها وتوزعت على الوزراء جميعاً لمراجعتها ولم تقرّ بعد، لكنها تحلّ جزءاً كبيراً من المشكلات وتنظّم ما يمكن العمل عليه مدى سنوات مقبلة لبلوغ الهدف المنشود من خلال مشاريع واقعية وجدية”.
إذاً النهوض بالحكومة الإلكترونية مرتبط بتأمين الإطار القانوني، ويتوقع عطايا أن تصل مشاريع القوانين الى الهيئة العامة خلال ثلاثة أشهر، لكن يجب ألا ننسى أيضاً ضرورة العمل على تفعيل الحماية الأمنية الإلكترونية خصوصاً في ظل قرصنات قامت بها مجموعات مجهولة أخيراً لخرق مواقع حكومية إلكترونية وإن كانت تلك المواقع غير فاعلة، ويبدو ان عملية كشف هويات القراصنة ليست بالسهولة المتوقعة أو أنها تتخطى قدرات الدولة إن على الصعيد التقني أو على صعيد “القرار السياسي!”.

ليال كيوان

This entry was posted in Uncategorized and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s