كتاب مفتوح الى الدولة اللبنانية [2]

قبل أسبوعين، نشر “نهار الشباب” مقالة للطالبة رشا الأمين بعنوان “كتاب مفتوح الى الدولة اللبنانية: هل زرت يوماً كلية الاعلام – 1؟”، انتقدت فيه السيطرة السياسية والحزبية على الفرع الأول لكلية الاعلام والتوثيق في الاونيسكو. تعرضت رشا الى حملة انتقادات واسعة تخطت التعبير على الرأي والرأي الآخر، لتصل حد التهديد والتلويح بحرمانها الامتحانات النهائية و”استدعائها” الى مكتب المدير. في ما يأتي مقالتين من “الوحي” نفسه لطالبين في الفرع، يستكملان فيها ما عرضته رشا، علّ الصفحات تكون باباً لاستكمال النقاش لكل الراغبين في إبداء آرائهم، بدلاً من ان تغرق الكلية في أساليب لا تمت الى الاعلام والتوثيق بصلة.

هل تدركين ان جامعتك لم تعد لكِ؟

أنا مواطن لبناني أبلغ من العمر 20 سنة، من أسرة متواضعة. بعدما أنهيت مرحلة الثانوية العامة، كانت خياراتي الجامعية محدودة: الجامعة اللبنانية أو… الجامعة اللبنانية (لعدم قدرتي على الانتساب الى احدى الجامعات الخاصة المحترمة). اخترت اختصاص أحبه، وتسجلت في قسم العلوم السياسية  لكلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية منذ عامين، ولظروف قاهرة لم أستطع انجاز الامتحانات النهائية، واذ بي أعود هذه السنة الى الكلية. ورغم ان كل أصدقائي حذروني من الكتابة عما يحصل فيها من ممارسات، الا أنني مؤمن بأن ما من شخص يستطيع ان يقمعني ويحرمني حرية التعبير، كما اكتب تضامناً مع زميلتي رشا، وبأسلوبها وكلماتها استكمالا لما بدأته.
عزيزتي الدولة،
انا لم أولد وملعقة ذهب في فمي كي أشتري شهادتي من بعض الجامعات التي تعرضها للبيع، أو لأتعلم في الجامعات الخاصة المكلفة. فهل سأنال شهادتي من الجامعة اللبنانية أم سيكون مصيري معلقاً بحزب أو طائفة؟ الى متى سيستمر صمت ادارة الكلية عن كل يحصل؟ هل تعلمين ان حرم الكلية مليء بالشعارات السياسية والحزبية والطائفية الخاصة بفئة معينة؟ هل تعلمين ان الكلية باتت ملكاً لطائفة معينة ولا يمكن أحداً الاقتراب منها؟ يتعايش طلاب الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الفرع الأول للجامعة مع واقع مرير، سببه ليس سوء المبنى الجامعي أو ضعف التعليم أو صعوبة الاختصاص مثلاً.
تسيطر على الكلية “جماعات” تنطوي داخل إطار حزبي يرفع شعار الأمل، والحزب نفسه يسيطر على مجلس الطلاب في الفرع.
وبما أننا في الجامعة اللبنانية، لمجلس الفرع في الكلية الكلمة الأولى والأخيرة بما يختص بمجمل المواضيع، ودور إدارة الكلية قد يكون “استشارياً” بالنسبة الى المجلس و”شكلياً بالنسبة الى الطلاب. والسبب الأساس لسيطرة هذه الفئة على الجامعة، منذ سنين طويلو، ليس تمتعها بـ “قواعد شعبية وجماهيرية غفيرة”، وليس بالتأكيد ديموقراطية الانتخابات التي أفرزت مجلس الطلاب، فنحن في جامعة بلا انتخابات طالبية أو معنى للديموقراطية. تحكمت هذه الفئة بالجامعة بفعل العديد من التجاوزات والممارسات التي ارتكبتها بحق الطلاب والجامعة، والتي سنأتي على ذكرها لاحقاً.
في اليوم الأول من الجامعة، أي حين يأتي الطالب لإنجاز معاملات التسجيل، “يظهرون” لك على أنهم الملاك الحارس الموجود لخدمة الطالب وصالحه، فيقومون بالتسجيل نيابة عنه خصوصاً اذا ما كان هذا الطالب “بنت حلوة” أو شاباً خجولاً. بعد انتهاء المحاضرة الأولى، يرحب ممثلان لمجلس الفرع بالطلاب، ويشرحان دوره “الإنساني” و”المدافع عن الحقوق”، ولاستكمال دور الملائكة، يقومان بالتودد إلى الطلاب الجدد وتقديم المساعدة اللازمة لهم
الى هنا الوضع يبشر بالخير، والحياة سعيدة في حرم الجامعة. بيد ان ما لا يدركه الطلاب الجدد هو ان هذا التودد لن يكون بلا مقابل، ويصب تجاه هدفين أساسيين: الأول استدراج الطلاب الأقرب سياسياً وفكرياً إليهم، للقيام بعملية “غسيل دماغ” تجعل منهم منتسبين الى صفوف “الحركة” ومن الداعمين لها، واذا تعذر “اتمام” الأمر، يمكن تحويلهم مجموعة من “الزقيفة”.
أما الهدف الثاني فهو رصد الطلاب ذوي “العقول” التي قد تحتوي ما يمكن ان يحمل رياحاً تهب بغير ما تشتهي سفنهم، فالتفكير والنقاش وحرية التعبير ممنوعة في الكلية تحت شعارات بالية ومستهلكة. مصير طلاب الفئة الثانية هو القمع، لكن الوسائل تختلف وتتنوع لتصل حد العنف، ومن هنا يمكن الحديث عن الممارسات الواردة أعلاه.
يحاول أعضاء المجلس في المرحلة الأولى مناقشة الطلاب بضرورة إبداء الرأي في مجمل المواضيع (باستثناء “التافهة”)، وتحديداً كل ما يتعلق بالشؤون الدينية والسياسية والفكرية التي يرون أنها تختلف عن طريقة تفكيرهم الفارغة من أي مضمون وتفكيرهم الطائفي المتعصب.
إن لم تنجح الوسيلة الأولى، أي الحوار “الهادئ”، ينتقل المجلس إلى المرحلة الثانية وهي التهديد والوعيد. التهديد بتشويه سمعة الطالب وعدم السماح له بأي علاقات مع زملائه، أو عدم إعطائه المحاضرات المطبوعة من المجلس، وصولاً الى التلويح يـ “ضرب الطالب وتكسير راسه”، أو عدم السماح له بدخول حرم الفرع مجددا أو اجراء امتحاناته.

القاعة الرقم 109

إذا فشل هذا الأسلوب أيضاً، يلجأ المجلس إلى الوسيلة الأخيرة الثالثة الحاسمة، فهي الأكثر استخداماً و”متعة” بالنسبة إلى أعضائه، وهي تنفيذ التهديدات، والقاعة 109 هي الشاهد الأساس على ذلك، اذ ترتكب فيها كل الممارسات والتجاوزات، ولي تجربة في هذا السياق يوم تجرأت على إعلان ترشحي للانتخابات الطالبية، فأدخلت الأ 109 وهددت بالضرب والمنع من دخول الحرم الجامعي مجدداً.
هذا مثال عما يحدث في جامعة لم تعد وطنية، وفي كلية أصبحت ملكاً لطرف معين، فهل تدرك الدولة اللبنانية ان جامعتها لم تعد لها؟
فصل آخر من رواية لم تنتهِ

فاطمة سيف الدين

في فصل آخر من فصول إرتكابات الجهة التّي نصّبت نفسها “ولي أمر الفرع الأوّل لكليّة الإعلام”، والتّي تستكمل سياستها القمعية الرديئة، تمّ التعرّض للطّالبة رشا الأمين بشتّى أنواع المضايقات، إن لجهة القدح والذّم والتّشهير بشخصها من خلال إتهامها بأنها “تعاني أمراضاً نفسية وتسعى إلى الشّهرة وتستعمل أساليب رخيصة”، وما إلى ذلك من عبارات صدرت عن أعضاء في مجلس الطلاب زعموا انهم “لم يستخدموا حقّ الردّ بعد”، أو من خلال إحالتها على مجلس تأديبي وفق مدير الكلية الذي استدعاها للحصول على بطاقة الإمتحان النّهائي وفتح محضراً بحقّها مهدداً إياها بالفصل من الجامعة.
كل ذلك بسبب نشر الأمين مقالة في “نهار الشباب” سلطت فيها الضوء على واقع الكلية وبعض ممارسات مجلس الطلاّب فيها. كما تعرّضت شخصيّا لمضايقات بسبب تضامني مع زميلتي في قضيّتها المحقّة وتمّ تهديدي بالتحقيق معي على خلفيّة صفحة على موقع “فايسبوك” بعنوان “الثورة اللبنانية”، أنشر فيها آرائي إزاء مختلف القضايا التي تعنيني.
ويبدو ان هؤلاء لم يقرأوا المقالة كما يجب، وسارعوا الى شن هجوم لحجج واهية فيها كمّ من الرياء والاستخفاف بعقول الناس ولاسيما منهم طلاب الكلية. فالزميلة رشا لم تتطرق إلى مسألة النجاح في الجامعة بل قالت حرفياً “هل أنا فعلاً مجبرة على الإلتحاق بسياسة معينة كي أعتذر عن حضور بعض المحاضرات بسبب ارتباطي بالعمل؟”، أي انها تحدثت مسألة التوسط في مسألة الحضور، حيث لا يحق للطّالب الذي لم يحضر نسبة 70 في المئة تقديم امتحان في المادة، في حين اننا نرى عدداً من الطلاب الذين لم يحضروا ولديهم علامة تطبيقية جيدة. وهي لم تدعي إطلاقاً على الإطلاق ان من لا ينتمي إلىى حركة “أمل” لا يستطيع النجاح في الكلية وهو ما ادعاه الطرف الآخر لتضليل الناس والتّعمية على الواقع.
أما في ما يخص الشعارات الحزبية، فهذا أمر جلي يعرفه القاصي والداني. وفي هذا السياق أود ان أروي بإيجاز حادثة حصلت معي في الفصل الأول، اذ قمت بنشر صورة على صفحتي الخاصة على “فايسبوك”، عبارة عن مذكّرة من رئيس الجامعة تنصّ على منع رفع الشعارات الحزبية والطائفية في حرم كليّات الجامعة اللّبنانيّة. وبعد أيام أفاجأ بطلب والدتي مني إزالة الصورة بعدما أخبرها أحد أقربائها المنتمين إلى الحركة بوجوب إزالتها لأنها سببت له مشكلات مع أصدقائه في المجلس و”زعجتهم”.
أما الغش فيحصل على مرأى كل من في الكلية، ولا يزال كل من أجرى إمتحان الدخول هذه السنة يذكر كيف قام أعضاء مجلس الطلاّب بإدخال الأجوبة الى البعض من دون الإكتراث لوجود المراقبين، وكيف تمّ الإعتداء على أمين سر الفرع الثّاني على خلفية عملية الغش التي جرت.
وأخيرا في ما يتعلّق بمسألة إرسال أشخاص لمعرفة ميول الطلاب السياسية، فهذا أمر غير مستغرب لأننا  نذكر الاسئلة التي وجهها الينا أعضاء المجلس لدى زيارتنا الجامعة للتسجيل: “إنت مع مين؟ مين واسطتك”؟…
ما يجري هو تمادٍ في القمع وكمّ الأفواه، في كليّة يفترض بها في الحدّ الأدنى ان تحترم حقّ طلابها في التعبير عن رأيهم بحريّة، فإذ بها تتحوّل مقراً بإمرة بعض من نصّبوا أنفسهم مجلس طلاب، في ظلّ غياب الانتخابات الطالبية في الأعوام الأربعة الماضية.

حسين مهدي

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s